آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-02:27ص

حين يُترك الجنود للموت… وتنقذ القيادات نفسها

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 10:17 م
يوسف عارف ثابت

بقلم: يوسف عارف ثابت
- ارشيف الكاتب


يوسف عارف ثابت


سقوط العشرات من أفراد القوات في حضرموت لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل فضيحة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان. فحين طالبت السعودية القيادتين السياسية والعسكرية بسحب القوات، قوبل الطلب بالرفض، لا حرصًا على السيادة ولا دفاعًا عن الكرامة، بل إصرارًا على قرار ثبت لاحقًا أنه كان مقامرة بدماء الجنود لا أكثر.


لم تتحرك القيادات إلا بعد أن تعرضت القوات للقصف وأُجبرت على الانسحاب بالقوة، في مشهد يلخص حجم الفشل القيادي: جنود يُتركون في الميدان حتى الموت، بينما تُدار القرارات من خلف المكاتب بلا مسؤولية ولا إحساس بثمنها الإنساني. والأخطر من ذلك أن القيادات نفسها، عندما طُلب منها الحضور إلى الرياض، سارعت دون تردد، ليس احتجاجًا على ما جرى، ولا دفاعًا عن دماء من سقطوا، بل تفاوضًا على المصالح وتقديمًا للتنازلات حفاظًا على السلامة الشخصية والمواقع السياسية.


يبرز هنا سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا أصبحت حياة الجندي أرخص من حسابات القيادة؟ ولماذا يُطلب من المقاتل أن يواجه النار، بينما يُسمح للسياسي أن يهرب منها؟ أي مشروع وطني هذا الذي يُبنى على خطاب الشهادة، لكنه ينهار أمام أول اختبار حقيقي للمسؤولية؟


إن ما جرى في حضرموت لا يمكن تبريره باعتباره خطأً تقديريًا، بل يجب توصيفه بوصفه إخفاقًا أخلاقيًا جسيمًا، لأن القيادة التي لا تحمي جنودها، ولا تسحبهم حين تصبح المعركة بلا جدوى، تفقد حقها في الحديث عن التضحية، وتخسر مشروعيتها في تمثيل أي قضية وطنية.


لقد أثبتت الوقائع أن الدم كان وقودًا للوقت، بينما كانت المناصب هي الهدف الحقيقي. الجنود دُفعوا إلى الخطر حتى آخر لحظة، في حين فُتحت للقيادات أبواب التفاوض والنجاة. هذا التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة لا يمكن تغطيته ببيانات إنشائية أو شعارات ثورية فقدت معناها أمام جثامين الشهداء.


إن دماء من سقطوا في حضرموت لن تُغفر سياسيًا، ولن تُنسى أخلاقيًا، وستظل شاهدًا على مرحلة اختلط فيها العجز بالانتهازية، وتقدمت فيها المصالح الخاصة على الواجب الوطني. فالقضية التي لا تحمي أبناءها، والقيادة التي لا تصون جنودها، لا تستحق أن تُمنح ثقة الناس ولا شرعية التضحيات.