آخر تحديث :الإثنين-26 يناير 2026-02:31م

لمن تبقّى من الشرفاء…

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 12:10 م
نجيب صديق

بقلم: نجيب صديق
- ارشيف الكاتب


بقلم: نجيب صديق


أخطر الجرائم السياسية التي ارتُكبت بحق الشعوب هي فرض الحكم بالقوة الجبرية والعسكرية، المتكئة على النفوذ القبلي أو السياسي أو المالي، والأخير هو الأخطر على الإطلاق. فهذه الأنماط من الحكم لا تدمّر الدولة في سياقها الوطني والسياسي فحسب، بل تُلقي بأثمانها الباهظة على كاهل الناس، الذين يدفعون ثمن التفرد والاستبداد والارتهان.


إن اغتيال الأوطان لا يأتي من فراغ، بل تصنعه قيادات سياسية وعسكرية مغموسة بالعمالة، ترهن بلدانها لمصالحها الضيقة، وتختزل الوطن في بقائها في السلطة، ولو على حساب الشعب ومستقبله.


اليوم، نحن أمام مفصل تحوّل حقيقي في مشهد مفتوح ومعقّد، لا يمكن اختزاله بمحاولات تصدير خطابات نعي أو دعوات حلّ لهذا الطرف أو ذاك. فمحاولات تصفية المجلس الانتقالي بهذا الأسلوب لم تؤدِّ إلا إلى منحه زخمًا أكبر، وفي لحظة فارقة كُشف فيها عن حقيقة بعض من راهن عليهم رئيس المجلس الانتقالي باعتبارهم عناصر قوة ومساندة، فإذا بهم يتساقطون واحدًا تلو الآخر.


لقد منحت السعودية – من حيث أرادت أو لم تُرد – عبر سياساتها المتناقضة، ومساراتها القائمة على الاستقطاب وشراء الولاءات، مساحة أوسع لعيدروس الزبيدي وخطابه المرتبط باستعادة الدولة، وهو الطموح الذي يتطلع إليه قطاع واسع من الجنوبيين. وقد عكست المليونيات التي دعا إليها المجلس الانتقالي خلال الأسابيع الماضية هذا الواقع، حين خرجت الجماهير رافعة القضية الجنوبية إلى سقف سياسي عالٍ، عنوانه استعادة الدولة.


ومن نافلة القول إن الرياض تمارس ضغوطًا كبيرة على نخب ومكونات وقيادات سياسية وعسكرية وأحزاب، وهي في الوقت ذاته ضامنة لموقف وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في مسار يبدو بعيدًا عن تطلعات الشارع الجنوبي. هذه الضغوط، التي تتراوح بين الترغيب بالمال والترهيب بالقوة، نجحت في استمالة البعض، فسقطوا تحت وهم ما يسمى بالحوار الجنوبي، وهو حوار لا يحمل – حتى الآن – ضمانات حقيقية لحق الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته.


لقد كشفت التصريحات واللقاءات والمواقف الأخيرة أن المال والترهيب السياسي قد فعلا فعلهما، حتى في أوساط قيادات محسوبة على الصف الأول داخل المجلس الانتقالي. غير أن هذا المشهد، على قسوته، لم يخلُ من مواقف مشرّفة، لقلة من الشرفاء الذين تصدّوا لمحاولات الترتيب في الغرف المغلقة، وناضلوا – ولا يزالون – من أجل حق الشعب في تقرير مصيره واستعادة دولته.


هؤلاء هم من تبقّى من شرفاء الوطن، وهم جوهر أي حل سياسي حقيقي، إن كانت الرياض راغبة فعلًا في حل عادل ومستدام.


خلاصة القول:


لقد أكدت المليونيات التي ملأت الساحات الجنوبية أنها مع الحوار، لكن الحوار الذي يُدار على أرض الوطن، أو في عدن، أو على أرض محايدة، ولتكن الكويت، وتحت إشراف الجامعة العربية. وهذه الرسالة موجّهة بوضوح إلى الرياض، وهي – على الأرجح – تدرك جيدًا فحواها ومعناها.