آخر تحديث :Mon-26 Jan 2026-02:31PM

تقرير المصير: المطلب الملح لحضرموت

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 02:01 م
د. خالد سالم باوزير

بقلم: د. خالد سالم باوزير
- ارشيف الكاتب


مقدمة :

منذ أيام أتابع ما يُكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، وأستمع إلى المقابلات التي تُبث عبر القنوات المختلفة لبعض الجنوبيين الموجودين حاليًا في ضيافة المملكة العربية السعودية، وخاصة ممن كانوا قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي سابقا.


وقد دفعتني هذه التصريحات إلى جانب ما يصدر عن قادة بعض الأحزاب والتنظيمات اليمنية المختلفة، إلى تعميق التفكير فيما يدور حولنا، ومن هنا أود توضيح الآتي:


أولا :

تصريحات الجنوبيين جميعهم تصب في اتجاه واحد، وهو السعي لإبراز مطالبهم في مؤتمر الحوار المزمع انعقاده – إن شاء الله – في الرياض خلال الأيام القادمة، والمطالبة بعودة دولة الجنوب إلى حدود ما قبل وحدة 22 مايو 1990، التي كانت وحدة ضم وإلحاق مع الجمهورية العربية اليمنية.


وهؤلاء – من وجهة نظري – لا حرج في مطالبهم، فهذا حقهم المشروع فيما يخص محافظات الجنوب العربي، ومن حقهم أن يطمحوا إلى بناء دولتهم على هذه الرقعة الجغرافية التي تشكلت منذ عام 1967، والتي ضمت محافظات كانت ضمن المحمية الغربية ومستعمرة عدن، ثم أُلحقت بها لاحقًا من قبل البريطانيين، وهم – كما أعتقد – شعب متجانس، رغم أنهم كانوا سابقًا سلطنات جنوبية غربية متعددة ضمن المحمية الغربية، إلى أن خرجت بريطانيا وتسلمت الجبهة القومية السلطة، ونحن نؤيدهم في مطالبهم هذه، ونتمنى لهم التوفيق.


ثانيا :

حضرموت من حيث المساحة والشعب والتاريخ، لم تكن ضمن المحمية الغربية، بل كانت تُعرف لدى بريطانيا بالمحمية الشرقية فقط اسما، ولم تستطع بريطانيا توحيدها أو فرض نظام اتحادي عليها كما فعلت في الجنوب العربي، وذلك بسبب رفض سلاطين حضرموت الانضمام إلى اتحاد الإمارات. فظلت السلطنتان القعيطية والكثيرية، وغيرها، تحكم كلٌ أرضه حتى خروج بريطانيا.


وعند انسحاب بريطانيا، سُلِّمت حضرموت إلى الجبهة القومية، وضُمّت قسرًا ودون إرادة شعبها الحقيقية، عبر ظروف سياسية وتأثيرات فكرية سائدة آنذاك، دون مقاومة تُذكر. وخضعت حضرموت للدولة الجنوبية لمدة 23 عامًا، حتى كادت تسميتها أن تُمحى في ظل سياسات قادة الجبهة القومية، متجاهلين أكثر من 7000 عام من تاريخ حضرموت.


وخضعت حضرموت لاحقًا لسلطة العنف الثوري بعد الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي والتيار المعتدل، وتحولت الدولة عام 1969 إلى نظام شمولي ماركسي، كممت فيه الأفواه، وأصبح الحاكم فوق المساءلة، ومن يعارض يُصفّى أو يُسجن. وعانت حضرموت من ظلم هذا النظام، ومن غرس أفكار غريبة تتنافى مع عقيدة الحضارم ودينهم، الذي حمله أجدادنا إلى شرق آسيا وأفريقيا والعالم.


واستمر معاناة حضرموت حتى عام 1990، ثم دخلت بعد ذلك في صراعات متتالية: 1994، ثم 2013، وتعرضت لاحقًا لاحتلال الجماعات المسلحة، إلى أن تحررت في أبريل 2014. ومع ذلك، ما زالت الأزمة مستمرة حتى الرابع من ديسمبر 2025، حين حاولت قوات قادمة من عدن، تتبع مكونات في المجلس الانتقالي، الدخول إلى حضرموت وطرد المنطقة العسكرية الأولى.


ثم اتجهت هذه القوات إلى الهضبة، وهددت حلف حضرموت وقواته، وصدرت تهديدات مباشرة من قيادات في الانتقالي ضد الحلف ورئيسه، في محاولة واضحة لفرض السيطرة على قرار حضرموت وأرضها. وكانت هذه اللحظة نقطة تحول في وعي الحضارم، حيث واجهوا هذه المحاولات .


تدخل التحالف بطلب من الشرعية لخروج القوات، ورغم الدعوات السعودية الرسمية، لم تُستجب تلك النداءات، إلى أن تعرضت القوات لضربات محدودة واضطرت للخروج من حضرموت، وهو أمر كنا نتمنى ألا تصل إليه الأمور، لكن ما حدث قد حدث.


ثالثا :

بعد استقرار الأوضاع نسبيا في حضرموت، ظهرت دعوات لعقد مؤتمر الحوار

الجنوبي–الجنوبي. ونحن نطالب القائمين على هذه الدعوة، والرعاة، والدولة المستضيفة، بتعديل مسار هذا الحوار ليكون حوارا جنوبيًا–حضرموتيا، يفضي إلى حلول حقيقية تحقق الأمن والاستقرار السياسي والتنمية.


رابعا :

إذا كان الجنوبيون يطالبون بدولة، فإن من حق حضرموت – تاريخا وشعبا وأرضا – أن تطالب بحق تقرير المصير، وأن تكون دولة مستقلة على حدود ما قبل عام 1967. فهذا في تقديرنا، هو الحل الواقعي الذي يحقق الاستقرار والتنمية للجميع.


خامسا :

حضرموت في حال نالت حقها، ستكون على علاقات أخوية وسلمية مع جميع جيرانها في الجنوب واليمن والإقليم العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، باعتبارها العمق الجغرافي والاستراتيجي. وستقوم على تكامل اقتصادي مع المملكة، خاصة في المناطق الحدودية الواعدة، بما تملكه حضرموت من مخزون هائل من النفط والموارد الطبيعية، إلى جانب الموانئ البحرية.


خاتمة :

ستكون حضرموت شريكا اقتصاديا وتنمويا فاعلا، لا عبئا على أحد، بل عنصر استقرار ودعم، مستندة إلى تاريخ شعبها الطويل في التجارة، وبناء العلاقات الودية، ونشر ثقافة السلام والتعايش مع الجميع دون استثناء، وطيّ صفحة الصراعات والخلافات الماضية دون رجعة.


والله من وراء القصد.