في النزاعات المعقدة بين الدول والأطراف المتصارعة، لا تُحسم القضايا الكبرى بالشعارات السياسية ولا بالتوازنات العسكرية وحدها، بل تُصاغ نهاياتها الحقيقية على طاولات القانون. فالقانونيون، بخبرتهم في بناء النصوص والمرجعيات والضمانات، يمثلون حجر الزاوية في أي مفاوضات جادة أو حوارات سياسية تهدف إلى حلول مستدامة، لا إلى تسويات مؤقتة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
وفي هذا السياق، يبرز حوار الرياض بوصفه أحد أهم المسارات السياسية الرامية إلى تفكيك تعقيد الملف اليمني، إلا أن أحد أبرز أوجه القصور التي رافقت هذا الحوار تمثّل في غياب اللجان القانونية والدستورية المتخصصة، وضعف التأطير المؤسسي المنظم لمساره ومخرجاته. فالحوارات السياسية التي لا تستند إلى مرجعية قانونية واضحة، ولا تُصاغ نتائجها بلغة قانونية دقيقة، تكون بطبيعتها عرضة للتأويل المتناقض، والانقلاب عليها من الأطراف المختلفة، وتتحول إلى مجرد إعلانات نوايا غير ملزمة، تفتقر إلى آليات فض النزاعات وضمانات التنفيذ.
إن غياب الرؤية القانونية لا يفرغ الحوار من مضمونه فحسب، بل يفتح الباب أمام توسيع الخلافات بدل احتوائها، ويجعل أي اتفاق هشًا، قابلًا للسقوط أمام أول تغير في موازين القوى. ولهذا، فإن إشراك المتخصصين القانونيين ليس ترفًا تقنيًا، بل ضرورة سياسية وأمنية، خصوصًا في ملف شديد التعقيد كاليمن، تتداخل فيه قضايا السيادة، والحدود، والتمثيل، وحق تقرير المصير، وتركة تاريخية مثقلة بالصراعات.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل المخرج الأمني والسياسي لتعقيدات جنوب اليمن عن جذورها القانونية والتاريخية. فالوضع غير القانوني الذي تأسس عليه ما يُعرف بـ“جنوب الجنوب” بعد اجتياح حضرموت والمهرة وسقطرى بالقوة في عام 1967، وما رافق ذلك من انتهاك لسيادة هذه الأقاليم وطمس لخصوصيتها السياسية، يظل عقدة مركزية لا يجوز القفز عليها. فذلك التأسيس القسري لا يمنح أي طرف اليوم حق المطالبة بالانفصال عن اليمن مع الإصرار في الوقت ذاته على إعادة ضم حضرموت والمهرة وسقطرى مرة أخرى، وكأنها تابعة بحكم الأمر الواقع، لا بحكم القانون أو الإرادة الحرة لشعوبها.
إن أي دعوة لانفصال جنوب اليمن تفقد مشروعيتها القانونية والأخلاقية إذا اقترنت بنهج استبدادي توسعي، يعيد إنتاج منطق القوة وفرض الأمر الواقع، وهو نهج ستكون له عواقب خطيرة ليس على اليمن وحده، بل على استقرار الجزيرة العربية مستقبلًا. ومن هنا، فإن الاستماع إلى دعوات الانفصال لا ينبغي أن يكون مطلقًا أو غير مشروط، بل يجب أن يخضع لضوابط قانونية واضحة، تحترم مبادئ عدم التوسع القسري، وحق الأقاليم في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإكراه.
وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية الرياض بوصفها راعيًا رئيسيًا للحوار، في تبني مقاربة أكثر توازنًا ووضوحًا. فالدفع نحو بقاء حضرموت والمهرة وسقطرى ككيان واحد ذي خصوصية سياسية وقانونية، واختيار مجلس مؤقت لتمثيل هذا الكيان، من شأنه أن يوضح الرؤية ويمنح هذه الأقاليم صوتًا مستقلًا، ويهيئ لحوار منفصل بذاته، قائم على أسس قانونية سليمة. وفي المقابل، يمكن دعم مسار حواري جنوبي آخر يضم بقية المحافظات، مثل عدن ولحج وأبين وشبوة، ضمن إطار مؤسسي واضح، يحدد التمثيل والصلاحيات والمرجعيات.
إن إخضاع جميع الأطراف لعملية ضبط قانوني، والاستماع إلى دعاوى الانفصال أو الوحدة أو الفيدرالية بعيدًا عن الشطحات الخطابية والشعارات الثورية من قبيل “ثورة ثورة يا جنوب”، هو السبيل الوحيد لتحويل الحوار من حالة استقطاب عاطفي إلى مسار سياسي عقلاني. فالدول لا تُبنى بالهتافات، ولا تُفكك بالقوة، بل تُعاد صياغتها عبر نصوص قانونية، وضمانات دستورية، واتفاقات واضحة تحترم الإنسان والأرض والسيادة.
وفي المحصلة، فإن غياب القانونيين عن طاولة الحوار لا يعني فقط غياب الصياغة الدقيقة، بل يعني غياب المستقبل نفسه. وحوار الرياض، إن أراد أن يكون محطة تاريخية لا حلقة مفرغة جديدة، لا بد أن يعيد الاعتبار للدور المحوري للخبراء القانونيين، بوصفهم الضامن الحقيقي لتحويل السياسة من صراع مفتوح إلى عقد اجتماعي قابل للحياة.
المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا