آخر تحديث :السبت-31 يناير 2026-09:02ص

عدن والمسألة الجنوبية بين ضرورات الاستقرار ومحددات المقاربة السعودية

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 05:18 م
فضل علي مندوق

بقلم: فضل علي مندوق
- ارشيف الكاتب


تتبنى الرياض في مقاربتها الجديدة للمسألة الجنوبية مبدأ التعددية السياسية والجهوية بوصفه أداة لضبط التوازنات وإدارة التعقيد البنيوي في الجنوب اليمني. ويأتي دعم نشوء كيانات مثل مجلس حضرموت الوطني، إلى جانب تفعيل دور المكونات المهرية والعدنية، في سياق مقاربة تسعى إلى عقلنة المشهد السياسي، لا تفتيته كما يُروَّج في بعض الخطابات الاختزالية. إذ تنطلق الرؤية السعودية من إدراك مفاده أن احتكار القرار الجنوبي من قبل فصيل واحد، مهما بلغت قوته الميدانية، ينطوي على مخاطر صدامية مع مكونات تمتلك خصوصيات تاريخية واجتماعية راسخة، كما هو الحال في عدن وحضرموت والمهرة. وعليه، تسعى المبادرة السعودية إلى إنتاج كتلة تاريخية عريضة تضم مختلف الأطياف، بما يجعل القرار الجنوبي قراراً توافقياً يصعب توظيفه في تهديد الاستقرار الإقليمي أو الانقلاب عليه سياسياً. وفي هذا الإطار، تعمل الرياض على تحويل هذه المكونات من قوى أمر واقع إلى شركاء في الحكم المحلي، عبر مسار تدريجي من المأسسة وربط الشرعية السياسية بالوظيفة التنموية والخدمية. فبدلاً من الارتكاز على الشعارات الأيديولوجية أو التعبئة الهوياتية، يُعاد توجيه الولاء الاجتماعي في عدن أو المكلا ليصبح مشروطاً بقدرة هذه الكيانات على توفير الاستقرار وتحسين شروط الحياة اليومية للمواطنين، بما يعزز مفهوم الشرعية الوظيفية كبديل عملي عن الشرعية الثورية أو العسكرية. تمثل عدن التحدي الأبرز في هذه المقاربة، إذ تتقاطع فيها اختلالات القوة العسكرية مع تراكمات التهميش الإداري والسياسي التي تعود جذورها إلى عقود سابقة. وتقوم الرؤية السعودية على معالجة هذه المظلومية عبر تمكين الكوادر المدنية العدنية من إدارة شؤون المدينة، باعتبار أن استقرار عدن كعاصمة مؤقتة يشكل مدخلاً حاسماً لأي تسوية سياسية شاملة. وفي هذا السياق، تضغط الرياض باتجاه تحييد الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه والصحة، عن التجاذبات السياسية، انطلاقاً من تصور يعتبر الأمن الخدمي مقدمة ضرورية للأمن السياسي والاجتماعي. كما تسعى المبادرة إلى إعادة صياغة الهوية الإدارية لعدن من خلال منحها وضعاً خاصاً يضمن لها قدراً من الاستقلال المالي والإداري، بما يسمح باستعادة دورها التاريخي كميناء عالمي ومركز تجاري إقليمي، بعيداً عن هيمنة القوى القادمة من خارج نسيجها الاجتماعي.

ويُنظر إلى هذا التوجه بوصفه استجابة عملية لمطالب أبناء عدن في ترسيخ مفهوم هويتها المحلية الذي يجمع مختلف المكونات ويتجاوز الانقسامات الضيقة. أما حضرموت والمهرة، فينظر إليهما العقل الاستراتيجي السعودي بوصفهما العمق الجيوسياسي الحيوي للمملكة باتجاه بحر العرب والمحيط الهندي. ففي حضرموت، نجحت المبادرة السعودية في تحويل المحافظة إلى رقم صعب في المعادلة اليمنية، عبر دعم نموذج يقوم على الندية والاستقلال النسبي في إدارة الموارد وتأمين الحدود. ويهدف هذا النموذج إلى تقديم تجربة حكم محلي ناجحة قابلة للتعميم، مع التركيز على مفهوم الأمن التنموي وربط الاقتصاد الحضرمي بالاقتصاد الخليجي من خلال مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والربط الإقليمي. وفي المهرة، تتحرك الدبلوماسية السعودية بحذر محسوب يراعي الحساسيات العُمانية وتوازنات الجوار الإقليمي. وترتكز المبادرة هنا على التنمية الحدودية ومكافحة التهريب، مع استيعاب المكونات القبلية ضمن إطار وطني يمني يرفض الانخراط في أجندات خارجية عابرة للحدود. والهدف النهائي هو تحويل المهرة من منطقة تماس قلقة إلى جسر تجاري واستراتيجي يربط اليمن بدول الخليج، ويعزز الاستقرار الإقليمي.

تحظى هذه المقاربة السعودية بقبول دولي صامت ودعم فني غير معلن، تعكسه مواقف القوى الدولية الفاعلة. فالولايات المتحدة تنظر إلى الجهد السعودي من زاوية الواقعية الأمنية، إذ ترى في توحيد الصف الجنوبي مدخلاً لتسهيل ملفات مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية، وتعتبر التعددية المحتواة ضمانة ضد انزلاق الجنوب نحو فراغ أمني قد تستغله التنظيمات المتطرفة. في المقابل، يجد الاتحاد الأوروبي في هذه المبادرة استجابة لمطالبه المتعلقة بالشمولية والحوكمة المحلية، حيث تتقاطع مع رؤيته للامركزية كحل عملي لأزمات الدول الهشة. أما على المستوى الأممي، فيُنظر إلى نجاح الرياض في هندسة التوافق الجنوبي بوصفه عاملاً مساعداً لتوفير شريك جنوبي متماسك في مفاوضات الحل الشامل، بما ينهي حالة التشتت التي أعاقت المسار السياسي سابقاً. تعتمد المقاربة السعودية في إدارة هذا المشهد المعقد على مفهوم النفوذ الهجين، الذي يمزج بين القوة العسكرية الصلبة، والدعم المالي، وإنتاج الشرعية السياسية. وتتعامل الرياض مع القوى المحلية بوصفها فواعل وظيفية لتحقيق الاستقرار، لا أطرافاً يُسمح لها بتحقيق نصر حاسم على حساب غيرها.

فإدارة الصراع غير المباشر تقتضي إبقاء جميع الأطراف في حالة احتياج متبادل للمظلة السعودية، مع العمل على تجميد النزاعات البينية عبر قواعد اشتباك سياسية ولجان مشتركة، ودعم مالي مشروط بالتهدئة، بما يحول الصراع من طابع صفري إلى مسار تفاوضي قابل للاحتواء. ومع ذلك، تواجه هذه المبادرة تحديات بنيوية خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، في مقدمتها مقاومة مراكز النفوذ التقليدية التي قد ترى في الهندسة التعددية تهديداً لمصالحها، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجعل أي إنجاز سياسي هشاً ما لم يُترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. كما تظل التدخلات الإقليمية المضادة عاملاً مقلقاً، قد يدفع الرياض إلى تبني دبلوماسية أكثر هجومية لتأمين حضرموت والمهرة وعدن من محاولات التشويش. وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز عدة سيناريوهات استشرافية، أبرزها سيناريو الفيدرالية الواقعية، القائم على حكم ذاتي واسع للأقاليم مع رابط سيادي رمزي مدعوم بضمانات إقليمية ودولية، يليه سيناريو الاستقرار الهش، ثم سيناريو التحول الاقتصادي الذي يراهن على تحويل عدن وحضرموت والمهرة إلى مناطق اقتصادية حرة مرتبطة بالخليج. وخلاصة القول، إن المبادرة السعودية تجاه عدن وحضرموت والمهرة لا تندرج في إطار إدارة أزمة مرحلية، بل تمثل إعادة صياغة جيوسياسية تهدف إلى إنتاج نظام أمني إقليمي جديد.

ويُعد إنصاف عدن، وتمكين حضرموت، وتأمين المهرة، الركائز الثلاث لاستراتيجية سلام مسلح تسعى إلى منع انزلاق جنوب اليمن إلى الفوضى العابرة للحدود، وتهيئة بيئة مواتية لربط شبه الجزيرة العربية بالاقتصاد العالمي عبر بحر العرب. كما تشكل هندسة التوافق الجنوبي برعاية سعودية الخيار العقلاني الأبرز لتجاوز معضلة الدولة الفاشلة، شريطة أن تقترن بتمكين حقيقي لأبناء الأرض في إدارة شؤونهم بعيداً عن الوصاية أو الإقصاء.