آخر تحديث :السبت-31 يناير 2026-09:02ص

فتحي بلزرق… قال رأيه

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 02:32 م
صلاح مبارك

بقلم: صلاح مبارك
- ارشيف الكاتب


الصحفي المتميز فتحي بلزرق، في مقابلته الأخيرة مع قناة العربية، لم يكن بصدد استعراضٍ أو بحثٍ عن إثارة، بل عبّر عن رأيه وقناعاته بوضوح وهدوء، ضمن إطار برنامج حواري يُفترض فيه ـ مهنيًا وأخلاقيًا ـ أن يكون مساحة للاختلاف، لا ساحة للمحاكمات.


غير أن ما أعقب المقابلة كشف عن مفارقة مؤلمة؛ إذ اتسعت دائرة التنمّر الإعلامي، واندفع المخالفون في الرأي إلى أساليب لا تمتّ للنقد بصلة، وصلت حدّ المطالبة بمقاطعة صفحات الصحفي فتحي بلزرق على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الاختلاف الفكري بات جريمة تستوجب العزل، لا نقاشًا يستوجب الرد.


هذه الحالة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه الساحة اليمنية؛ سياقٌ صنعته سنوات من الشمولية المفرطة، وما تبعها من تسميمٍ للحياة العامة وعسكرتها، الأمر الذي أفرز ثقافة إقصائية لا تعترف بالرأي الآخر، ولا تميّز بين النقد المشروع والتشهير الممنهج ،فصار الرأي المختلف يُواجَه بالتعنيف لا بالحجة، وبالتحريض لا بالمنطق.


ولعل ما يثير حفيظة البعض أن فتحي بلزرق لا يلامس الهوامش، بل يقترب من القضايا الساخنة وملفات الفساد، وهي ملفات بطبيعتها تُزعج جهات نافذة، وتتضرر منها مصالح قائمة.. غير أن المنطق القانوني والإعلامي يفيد أن الرد على ما يُطرح من اتهامات أو معلومات لا يكون عبر جيوش إلكترونية أو «ذباب مفسبك»، بل عبر مؤسسات الدولة المعنية، وبالوسائل القانونية التي تكفل حق الرد وتُخضع الجميع للمساءلة.. فالإعلام، حين يؤدي دوره الحقيقي، يقترض أن لا يُحارَب بل يُناقَش، والصحفي حين يلتزم المهنية لا يُشتم، بل يُفنَّد إن أخطأ، ويُدعَم إن أصاب.


فتحي بلزرق ليس استثناءً، بل نموذج لصحفي اختار أن يكون في مرمى النار بدل الوقوف في منطقة الصمت الآمن. والاختلاف معه حق مكفول، لكن التنمّر عليه إساءة لا تطاله وحده، بل تطال الإعلام الحرّ ذاته.