في ظل ما تشهده المحافظات المحررة من تدخلات دعم مباشرة من المملكة العربية السعودية في مجالات متعددة، بهدف تطبيع الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية، يبرز سؤال جوهري يشغل الشارع اليمني اليوم قبل الغد: هل ما نشهده من تحسن نسبي في بعض الخدمات، وصرف جزئي للرواتب، يمثل مسارا مستداما يمكن البناء عليه، ام انه مجرد معالجات مؤقتة سرعان ما تتلاشى مع اول اختبار زمني، خصوصا مع قدوم الصيف والفترات القادمة؟
لا يمكن انكار ان دعم المملكة لقطاع الكهرباء بالوقود اسهم في تحسن ملموس للخدمة واستقرارها مقارنة بالسنوات الماضية. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، وعلى النشاط التجاري والخدمي، وخفف من معاناة طويلة مع الانقطاعات المتكررة. غير ان الاشكالية الحقيقية لا تكمن في قيمة الدعم بقدر ما تكمن في آلية استدامته.
غياب رؤية حكومية واضحة لاصلاح قطاع الكهرباء، واستمرار الاعتماد شبه الكلي على المنح الخارجية، يجعل اي تحسن رهينا بقرار الدعم لا بقدرة الدولة. ومع دخول فصل الصيف، حيث يتضاعف الطلب على الطاقة، يصبح القلق مشروعا: هل سيستمر الدعم بنفس الوتيرة، ام سنعود الى دوامة الانطفاءات والحلول الاسعافية المكلفة؟
يجب ان يتحول الدعم من مجرد وقود طارئ الى برنامج متكامل لاصلاح قطاع الكهرباء، يشمل خفض الفاقد الفني والتجاري، وضبط الايرادات، وتنويع مصادر التوليد، حتى لا تبقى الخدمة مرهونة بالمنح الخارجية والقرارات المؤقتة.
وفي السياق ذاته، فان سداد جزء من الرواتب خلال الفترة الماضية يعد خطوة ايجابية خففت بعضا من الاحتقان واعادت قدرا من الامل للموظفين. لكن هذا الامل يظل هشا ما لم يتحول الصرف الى انتظام زمني واضح ومستقر. الموظف لا يبحث عن منحة استثنائية، بل عن حق ثابت يمكنه من التخطيط لحياته وسداد التزاماته. استمرار الصرف المتقطع يعني بقاء حالة عدم اليقين، ويكرس هشاشة الوضع المعيشي.
برأيي، انتظام الرواتب يمثل حجر الزاوية في اي استقرار اقتصادي واجتماعي، واي دعم خارجي يجب ان يصب في هذا الاتجاه، لا ان يظل موسميا او مرتبطا بالازمات.
وفي هذا الاطار، يبرز خطر التمييز في المعالجات، وما قد يسببه من بلبلة مجتمعية، خصوصا بعد قيام المملكة بدفع مبالغ مجزية للسلك القضائي بالريال السعودي، وهو امر اثار تساؤلات مشروعة لدى بقية الموظفين المدنيين. ليس في ذلك اعتراض على تحسين اوضاع القضاة، فهم ركيزة العدالة والدولة، لكن الاشكال يكمن في التمييز وغياب الشمول.
حين يتم تحسين فئة وتجاهل اخرى، تتولد مشاعر غبن، وتفتح ابواب التوتر والانقسام داخل المجتمع الواحد. الموظف المدني في التعليم بمراحله كافة، والصحة، والادارة، والتعليم الفني والمهني، لا يقل اهمية عن غيره، واهماله يضرب فكرة العدالة الاجتماعية في الصميم. ومن وجهة نظري، اي دعم مالي يجب ان يكون ضمن اطار شامل وعادل، او على الاقل ضمن خطة زمنية واضحة تضمن وصول التحسينات الى جميع الموظفين دون استثناء، خاصة في ظل تدني الرواتب وعدم وفائها بمتطلبات الحياة المعيشية.
ومن القضايا الملحة التي لا يمكن فصلها عن ملف الكهرباء والرواتب، ضرورة خفض اسعار المشتقات النفطية بعد استبعاد الجبايات والرسوم التي اضيفت على السعر في فترات سابقة. استمرار ارتفاع اسعار الوقود ينعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والسلع والخدمات، ويضاعف معاناة المواطنين، ويفرغ اي تحسن في الرواتب او الخدمات من مضمونه الحقيقي.
كما ان دعم العملة المحلية بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، لما له من اثر مباشر في تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، ومعالجة جزئية لتآكل قيمة الرواتب نتيجة التضخم الاقتصادي والانخفاض المستمر في سعر الصرف. دعم الريال اليمني يعد من اكثر الادوات فاعلية في تحسين مستوى المعيشة، وهو اولوية لا تقل اهمية عن دفع الرواتب او دعم الكهرباء.
الدعم السعودي محل تقدير، واثره الايجابي ملموس، لكن التحدي الحقيقي يكمن في استدامته وعدالته. ما نحتاجه اليوم ليس فقط وقودا للكهرباء او دفعات رواتب متقطعة، بل رؤية متكاملة تضمن استمرار الخدمات، وانتظام الرواتب، وخفض تكاليف المعيشة، ودعم العملة، وتحقيق قدر من العدالة بين الموظفين.
بدون ذلك، سنظل ندور في حلقة المعالجات المؤقتة، وسيبقى السؤال معلقا مع كل صيف وكل شهر: هل يستمر الدعم ام ينقطع؟ وهل يستمر الامل ام يتبدد؟