آخر تحديث :السبت-31 يناير 2026-09:02ص

بعيدًا عن الميكروفونات… يسقط صوت الطبول

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 05:06 م
محمد طالب

بقلم: محمد طالب
- ارشيف الكاتب


محمد طالب


في منطقتنا، لا يبدو أن التطبيل هواية عابرة، بل مهنة بدوام كامل. بعضهم لا يكتفي بالتصفيق، بل يضيف إليه الرقص أيضًا… وكل ذلك “على وحدة ونص”، بحسب سعر السوق السياسي الموسمي.


لكن بعيدًا عن هذا الضجيج، يظل السؤال الجاد حاضرًا:

هل السعودية فعلًا بحاجة إلى مطبّلين؟


الدول التي تبني طرقًا لا تنتظر قصائد، والتي تشغّل مستشفيات لا تحتاج هتافات، والتي تمد الكهرباء لا يعنيها عدد التغريدات. التطبيل غالبًا لا يكون دليل قوة، بل يكون — في كثير من الأحيان — محاولة لإخفاء الفراغ.


وقد عرف اليمن، ومعه الإقليم، نماذج رفعت شعار “الأخوة” عاليًا — من بينها دولة إقليمية لا نريد ذكر اسمها صراحة، وسنكتفي بالتلميح إلى أن أول خمسة حروف منه هي “الإمارات” — بينما كانت تمارس أدوارًا مختلفة تمامًا على الأرض. وجوه تلبس قناع القرب، لكنها تخفي قرنين واضحين… كأننا أمام نسخة سياسية من محجوب عبد الدايم في فيلم القاهرة 30؛ حيث المظهر شيء، والحقيقة شيء آخر تمامًا.

وكل ذلك — كما يقال — “على شان عيون أولاد العم”، في مخالفة صريحة للمثل الشعبي اليمني:

“أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب… وما غريب إلا الشيطان.”

لكن يبدو أن بعضهم أخطأ في تعريف “الغريب”.


في المقابل، هناك حضور مختلف، حضوره هادئ… لكنه يترك أثرًا لا يمكن إنكاره. ما يُنفَّذ عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليس خطابًا سياسيًا للاستهلاك، بل مشاريع تُرى وتُلمس: طرق، مدارس، خدمات، وبنية تحتية تعيد بعض ملامح الحياة. هذا النوع من العمل لا يحتاج إلى مبالغة في المديح، لأنه ببساطة يتحدث عن نفسه.


لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الصورة لم تكتمل بعد.


إذا كانت عدسة التنمية مركّزة على مناطق معينة، فإن الساحل التهامي ما يزال يقف خارج الكادر. هناك، حيث البيوت من قشٍّ أكثر مما هي من حجر، وحيث البحر أمام الناس… لكن الرزق بعيد. بشر يعيشون على هامش الجغرافيا والسياسة معًا، لا يسمع صوتهم إلا حين تتحول معاناتهم إلى أرقام في تقارير الإغاثة.


المطالبة بالالتفات إليهم ليست اعتراضًا على جهد قائم، بل دعوة لتوسيع الدائرة. لأن التنمية التي تصل إلى مكان وتتأخر عن آخر تظل تنمية بنصف قلب… والنصف الآخر يظل وجعًا مفتوحًا.


وفي سياق الحديث عن شكل الدولة ومستقبلها، تبرز مفارقات لا تخلو من ألم. فبينما نجحت المملكة في إغلاق ملف مشروع الانفصال وحلّ كيانه الذي كان يحظى بدعم إماراتي، يتطلع كثير من أبناء الساحل التهامي إلى إغلاق ملف آخر لا يقل وجعًا، هو ما يُعرف محليًا باسم “الوحدة 400” — الاسم الذي يطلقه الأهالي على موقع احتجاز مثير للجدل ارتبط خلال سنوات الحرب، بحسب شهادات محلية وتقارير حقوقية، باعتقالات خارج إطار القانون وإدارة عبر أدوات محلية بدعم خارجي.


هذا الاسم، الذي يفترض أن يحمل معنى جامعًا، ترسّخ في ذاكرة كثير من أبناء تهامة بصورة معاكسة تمامًا، حتى بات يستحضر لديهم الشعار القديم:

“حراس الوحدة: الوحدة أو الموت”

لكن بصيغة واقعية موجعة، حيث كان الموت حاضرًا فعلًا في حكايات أبناء الساحل، بينما غابت “الوحدة” بمعناها الإنساني والقانوني.


ويطرح أبناء تهامة تساؤلًا لا يخلو من مرارة: كيف يُدعم الانفصال جنوبًا تحت عناوين سياسية براقة، بينما فُرض في الشمال واقع أمني قاسٍ تحت لافتة اسمها “الوحدة”؟


وطبعًا، وأنت تحاول قول كلام متوازن كهذا، يظهر الاتهام الجاهز الذي لا يحتاج دليلًا.

في إحدى مساحات منصة “إكس”، قفز أحدهم في وجهي صارخًا:

“أنت عميل للجنة السعودية الخاصة!”


لدينا في اليمن علاقة تاريخية طريفة مع “اللجان”. كلما قال أحد جملة خارج جوقة الصراخ، أُلصقت به عضوية لجنة سرّية مع بدل سفر افتراضي. كأننا شعب لا يتكلم إلا بعقود عمل، ولا يكتب إلا بفواتير.


شخصيًا، أظن أن آخر لجنة أُدرج فيها أبناء تهامة كانت لجنة التحكيم بين علي ومعاوية عبر أبي موسى الأشعري! بعدها خرجنا من كل الكشوفات، من لجان السياسة إلى لجان الانتخابات “أبو ألفين ريال”، رحمها الله. ومن يومها ونحن نعيش خارج اللجان… أرضًا وإنسانًا.


الحقيقة التي تضيع وسط الضجيج بسيطة جدًا:

الناس لا تريد أن تطبّل لأحد. الناس تريد أن تعيش.


تريد كهرباء لا تنقطع، وماءً نظيفًا، ورواتب تكفي، ومستشفيات تعمل، ومدارس تفتح أبوابها.


ورغم تواجد عدد كبير من الألوية التهامية في ساحل تهامة، إلا أن واقع كثير من منتسبيها لا يعكس هذا الحضور العددي؛ إذ يعاني عدد كبير منهم من انقطاع الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية، في مفارقة موجعة بين اسم “الحماية” وواقع من يفترض أنهم يوفّرونها.


ومن هنا، لا تبدو الحاجة ملحّة فقط إلى دعم إنساني وتنموي، بل أيضًا إلى نظرة شاملة تعيد ترتيب المشهد. في عالم التصوير تُعرف اللقطة العلوية باسم “عين الطائر” — لقطة تكشف الصورة كاملة بلا زوايا مخفية.


الساحل التهامي اليوم بحاجة إلى مثل هذه اللقطة؛ لقطة تحمي الإنسان قبل الموقع، والجندي قبل المتراس، وتعيد الاعتبار لمن يقفون في الميدان بلا غطاء كافٍ.


وقد تكون هذه الرؤية أكثر أثرًا إن جاءت — كما حدث في حضرموت — بعيون اللواء الدكتور محمد بن عبيد القحطاني، رئيس اللجنة السعودية الخاصة. فبعض الزيارات لا تكون بروتوكولًا… بل تتحول إلى زاوية رؤية جديدة تنقل المعاناة من هامش الصورة إلى مركزها، وتحول الاحتياج من شكوى متفرقة إلى أولوية واضحة.


في النهاية، السؤال ليس: من يمدح أكثر؟

السؤال الحقيقي هو: من يرى أبعد… ومن يصل إلى الأماكن التي لم يصل إليها أحد بعد؟


هناك، بعيدًا عن الميكروفونات… يسقط صوت الطبول، ويبقى صوت الفعل فقط.