آخر تحديث :السبت-31 يناير 2026-02:06ص

مسام مشروع سعودي يسابق الزمن لنزع الألغام وإزالة القذائف غير المتفجرة لانتشال اليمن من براثن الموت

السبت - 31 يناير 2026 - الساعة 02:05 ص
عبدالكريم صلاح

بقلم: عبدالكريم صلاح
- ارشيف الكاتب


عشرات الأطفال اليمنيين بل المئات خرجو صباحا من منازلهم إلى مدارسهم أو مزارعهم يحملون حقائبهم المدرسية أو أدوات تساعدهم في الزراعة والعمل، خرجو للتعلم أو إعالة أسرهم، وأمل العودة إلى أسرهم في وجدانهم، غير مدركين أن الأرض التي ألفوها ترابا أمينا منذ طفولتهم كانت تخبئ تحت أديمها موتا صامتا يتربص بهم، لغم خفي زرعه أمراء الظلام وسدنة الجهل وأنهت حياة العديد منهم في لحظة خاطفة، لم تمهل شظايا الألغام المنفجرة أجسادهم الصغيرة فرصة للنجاة، ففارقوا الحياة على الفور، تاركين أسرهم وأهاليهم في صدمة مروعة وغصة لا تفارقهم، لتُضاف أسمائهم إلى قائمة ضحايا الألغام في اليمن، ومن نجى منهم يضاف في سجلات المعاقين؛ فالألغام إن لم تقضي على الضحية لا تتنازل عن بتر جزء من جسده.


عانى اليمن كثيرا من التلوث بالألغام الأرضية التي زرعتها المليشيات الحوثية الإرهابية، فعلى امتداد عقد من الحرب زرعت المليشيات عشرات الآلاف من الألغام والذخائر غير المنفجرة، مخلفة تهديدا دائما لحياة الأطفال والنساء والسكان وللأمن المجتمعي، ومثلت عائقا كبيرا أمام إعادة الأمن والحياة والإعمار والتنمية في اليمن. حيث صنّف تقرير للاتحاد الأوروبي اليمن في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث ضحايا الألغام الأرضية.

هذه الخسائر البشرية خلفها قصص إنسانية تُروى وعِبر تُدرَس، فالضحايا هم آباء وأبناء وأشقاء وجيران وأصدقاء.


قامت المليشيات الحوثية الإرهابية منذ انقلابها الأسود بزرع عشرات الآلاف من الألغام في عدد من المناطق والمدن والطرقات والأعيان والأحياء التي تتمكرز فيها مقرات خدمية وحتى المؤسسات التعليمية والأراضي الزراعية والطرق الحيوية الذي يقصدها الآلاف من المدنيين لم تسلم هي الأخرى من ألغام الميليشيات التي لم تكتفي بزراعتها وحسب بل عمدت إلى زراعتها بطرق عشوائية وإعدادها بصور مختلفة للتمويه واخفائها بأشكال عديدة لاستهداف أكبر عدد ممكن من الأبرياء.


وهناك تقارير تشير إلى "وجود أكثر من مليوني لغم زُرعت في الأراضي اليمنية، تسببت حتى الآن في مقتل وإصابة أكثر من 9500 مدني، معظمهم من النساء والأطفال".


ولا يقتصر خطر الألغام على القتل أو التشويه والإعاقة، بل يمتد، وفقا للمدير العام لمشروع مسام أسامة القصيبي، ليضرب الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، خاصة أن اليمن بلد يعتمد اقتصاده في معظم المحافظات على الزراعة والرعي، فقد حوّلت الألغام مساحات واسعة من الأراضي إلى حقول موت، وأجبرت مئات الأسر على النزوح من قراهم بحثا عن مناطق أكثر أمانا.


*مملكة الإنسانية تستجيب*

أمام صرخات الكثير من ضحايا الألغام من الأطفال والنساء والشيوخ، وأنين الأمهات الثكالى، وأمام هذا الخطر الذي يهدد الملايين من السكان المحليين والمدنيين والمزارعين والمسافرين وطلبة المدارس، والتحدي لإعادة الإعمار وتطبيع الحياة، استجابت المملكة العربية السعودية ممثلة بملك الإنسانية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله وولي عهده الأمير محمد بن سلمان يحفظه الله، وأطلقت في 18 يونيو 2018 مشروعها الإنساني العظيم مشروع "مسام" لنزع الألغام من الأراضي اليمنية وتطهيرها من الذخائر غير المتفجرة، تمهيدا لعودة الحياة إلى تلك المناطق والأعيان.


*مسام مشروع المملكة الإنساني ينتشل اليمن من براثن الموت*


تدخلت المملكة العربية السعودية ومدت يد العون للشعب اليمني من خلال إطلاق حزمة من المشاريع الإنسانية من أبرزها مشروع "مسام" لنزغ الألغام والقذائف غير المتفجرة، حيث شمل عمل فرق مشروع مسام معظم المحافظات اليمنية التي تضررت من الألغام من أبرزها، مارب والجوف وشبوة وأبين وعدن ولحج والضالع وحجة وتعز والحديدة ومؤخرا شملت محافظة حضرموت بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها في الرابع من ديسمبر من العام المنصرم 2025، قام مشروع "مسام" منتصف يناير الجاري بالبدء بإزالة مئات الألغام والذخائر غير المتفجرة في المحافظة.


*أرقام قياسية وانتشار واسع على امتداد الجغرافيا اليمنية الكبيرة*


نفذ مشروع مسام عملياته الإنسانية في مختلف المناطق والمحافظات اليمنية ولم تقتصر عملياته على مناطق محددة، بل امتدت لتشمل العديد من المحافظات التي تضررت من الألغام. حيث تمكنت فرق مشروع "مسام" منذ انطلاق المشروع في يونيو 2018 وحتى الـ 23 من يناير 2026 من تطهير 76,921,168 مترًا مربعًا من الأراضي اليمنية.

ونزع المشروع منذ انطلاقته وحتى الآن 534.813 لغما وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة

وفي ميدي غرب اليمن نزعت فرق مسام منذ بداية عملها في ميدي 6788 لغما وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة. كما نفذت فرق المشروع عدد من العمليات لنزع الألغام في باب المندب والخوخة واتلافها، وتطهير عدد من الأعيان من الألغام في مدينة تعز.


وقام مشروع مسام بنزع الألغام ومخلفات الحرب في العديد من المؤسسات والمراكز والطرقات في محافظة شبوة من أبرزها تطهير مطار عتق الدولي من الألغام والذخائر غير المتفجرة، وتطهير العديد من الأعيان والمزارع ومشاريع المياة والمواقع الأثرية في عدد من مديريات المحافظة.


وفي حضرموت شرقي اليمن نفذ مشروع مسام لنزع الألغام، بالتعاون مع البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام –فرع المركز التنفيذي بمحافظة حضرموت– في 18 يناير من هذا العام، أول عملية إتلاف شملت 636 قطعة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وذلك في مدينة المكلا، كما نفذ المشروع في 29 يناير عملية الاتلاف الثالثة والتي شملت 1531 لغماً ومخلفات حربية في المكلا.

وحسب المركز الإعلامي للمشروع في بيان صحافي أن هذه العملية تأتي ضمن عملياته المستمرة في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، بهدف تطهيرها من الألغام والمخلفات الحربية بكافة أنواعها وتأمين سلامة المواطنين من خطرها في كافة المؤسسات والأعيان المدنية والطرق المؤدية إليها.

وأشار المركز إلى ارتفاع كمية ما تم إتلافه من قبل فرق المشروع في المكلا منذ السبت 17 يناير الجاري إلى 7921 قطعة من الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة.


*مسام يحمي الآثار اليمنية*


لم يتوقف مشروع مسام عند حماية الإنسان اليمني بل امتدت أعماله لتشمل حماية تاريخه وآثاره والمواقع الأثرية من خطر الألغام الحوثية، حيث نجحت فرق مشروع مسام‬ من نزع الألغام من مواقع أثرية بارزة بمديرية عسيلان محافظة شبوة وتطهيرها من الألغام، وإعادة الأمان لمدينة تمنع الأثرية عاصمة مملكة قتبان التاريخية والممرات التجارية القديمة‏، ليُعيد فتح هذا المعلم الحضاري أمام الزوار بعد سنوات من الخطر.


*إشادات مجتمعية ورسمية واسعة بجهود مشروع "مسام"*


قال المعلم محمد المخلافي أحد الكوادر التربوية العاملة بمدارس محافظة مارب، أن مشروع "مسام" وفر الأمان للآلاف من الطلبة والمعلمين وجعلهم يذهبون إلى مدارسهم دون خوف بعد أن نزعت فرق "مسام" مئات الألغام ومخلفات الحرب التي زرعت في الطرقات وجوار المؤسسات التربوية، ومثلت مصدر خوف للأهالي والطلبة المعلمين قبل أن تنزل فرق مشروع مسام وتنزعها.

وتجدر الإشارة إلى أن محافظة مارب شهدت عمليات إتلاف واسعة وتفجير لكميات كبيرة من الألغام والقذائف والذخائر غير المنفجرة في عدد من مديريات المحافظة قام بها المشروع منذ انطلاقته.


وعبر سعيد السامعي -موظف حكومي- عن شكره وتقديره لمشروع مسام بعد بتأمين مجمع حكومي في مديرية صالة بتعز، بعد اكتشاف لغم فردي في فناء المبنى كان يهدد حياة الموظفين والمواطنين. ويعد المجمع واحد من المراكز الخدمية حيث يضم شرطة المديرية والأحوال المدنية ومركز إصدار البطاقة الإلكترونية الذكية، ويخدم 7 محافظات شمالية بحكم موقعه الحدودي مع مناطق سيطرة المليشيات الحوثية الإرهابية.


وشكر مختار ناجي -سائق باص أجرة- من محافظة أبين قيادة المملكة العربية السعودية وجهود مشروع مسام في تطهير الطرقات من الألغام والذخائر غير المتفجرة التي كانت تمثل خطرا على حياة المسافرين.


وعلى المستوى الرسمي شكر العديد من المسؤولين الحكوميين المملكة العربية السعودية على دورها الإنساني الكبير المتمثل في مشروع مسام، حيث أشاد مدير فرع المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام بمحافظة حضرموت، العميد صالح المحضار، بمشروع "مسام" وقال في تصريح نقله المركز الإعلامي لمشروع مسام إن المشروع يُعد مشروعا إنسانيا بحتا يهدف إلى التطهير الكامل للأراضي اليمنية من الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء، عبر فرق متخصصة تعمل باحترافية عالية لزرع الأمان في المناطق المتأثر. وشكر المحضار القائمين على المشروع.


*جهود متواصلة*

ومنذ انطلاقته وفرق الإزالة التابعة لمشروع مسام ترتدي ستراتها الواقية وتحمل أجهزتها .. تلج إلى المدن والمواقع والأعيان والطرقات في مختلف المناطق، وتخرج محملة بالألغام والقذائف الثقيلة والذخائر غير المتفجرة وتضعها في مكب محرز بعلامات الخطر تمهيدا لنقلها إلى مقبرة المتفجرات. حيث تشير التقارير إلى أن فرق المشروع نجحت منذ انطلاقته في يونيو 2018 وحتى الـ 23 من يناير 2026 من تطهير 76,921,168 مترًا مربعًا من الأراضي اليمنية، ونزع 534.813 لغما وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة.