آخر تحديث :الثلاثاء-10 فبراير 2026-02:47ص

المملكة العربية السعودية واليمن... موقف يتجاوز السياسة إلى عمق المسؤولية التاريخية

الأحد - 01 فبراير 2026 - الساعة 10:49 ص
هيثم القيسي

بقلم: هيثم القيسي
- ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الأزمة اليمنية، لم يكن موقف المملكة العربية السعودية مجرد ردّ فعل سياسي على تطورات أمنية طارئة، بل انطلق من إدراك عميق لتعقيدات الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك بين البلدين. فاليمن، بحكم موقعه وحضوره في معادلة الأمن الإقليمي، لم يكن يومًا ملفًا هامشيًا في الرؤية السعودية، بل قضية مركزية تمس استقرار الجزيرة العربية برمتها.


تعاملت المملكة مع اليمن بوصفه دولة وشعبًا، لا كساحة صراع عابرة أو ورقة تفاوضية، وهو ما انعكس في طبيعة تدخلها السياسي والإنساني، وفي محاولاتها المستمرة لإبقاء باب الحل مفتوحًا رغم تعنّت الميليشيات المسلحة وارتهانها لمشاريع خارجية لا ترى في اليمن سوى منصة نفوذ وابتزاز.


على الصعيد السياسي، حافظت الرياض على موقف ثابت يقوم على دعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، ورفض كل أشكال الانقلاب والفوضى المسلحة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن استقرار اليمن لا يتحقق إلا بوجود دولة جامعة، لا جماعات فوق القانون. وفي هذا السياق، لعبت المملكة دورًا محوريًا في رعاية المشاورات والحوارات اليمنية – اليمنية، سعيًا لتقريب وجهات النظر، وتفكيك الأزمات البينية داخل معسكر الشرعية، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو فرض الوصاية.


أما إنسانيًا، فقد شكّل الدعم السعودي لليمن أحد أضخم مسارات الإغاثة في المنطقة، سواء عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، أو من خلال الدعم المباشر للقطاعات الحيوية كالصحة والغذاء والتعليم. هذا الدعم لم يكن موسميًا أو مرتبطًا بالتصعيد العسكري، بل استمر حتى في أكثر مراحل الصراع تعقيدًا، ما يعكس بوضوح أن البعد الإنساني في السياسة السعودية تجاه اليمن لم يكن شعارًا دعائيًا، بل التزامًا فعليًا.


وفي مواجهة الحملات الإعلامية التي سعت لتشويه هذا الدور، وخلطت بين أخطاء الحرب وتعميم الاتهام، التزمت المملكة خطابًا هادئًا، راهنًا على الزمن والوقائع، لا على الضجيج. فالسعودية تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في إنقاذ اليمن من التحول إلى دولة فاشلة أو نسخة أخرى من الصراعات المزمنة التي تستنزف شعوبها لعقود.


الأهم من ذلك، أن الرياض لم تتعامل مع اليمن من زاوية المنتصر والمهزوم، بل من منطلق الشريك الذي يدرك أن أمنه لا يكتمل بانهيار جاره، وأن أي سلام هش لا يراعي مصالح اليمنيين وتطلعاتهم سيظل سلامًا مؤقتًا قابلًا للانفجار في أي لحظة.


ختامًا، يمكن القول إن موقف المملكة العربية السعودية من الشعب اليمني لم يكن خاليًا من التحديات ، كما هو حال أي تدخل في نزاع معقّد، لكنه ظل – في جوهره – موقفًا يسعى لمنع الأسوأ، ويفتح نافذة للأمل في بلد أنهكته الانقلابات والحروب. وبين من يزايدون بالشعارات، ومن يتحملون عبء القرار، تبقى الحقيقة أن السعودية اختارت أن تكون حاضرة في اليمن، لا متفرجة عليه، وأن تتحمل كلفة المسؤولية بدل رفاهية التخلي.