حذّر الكاتب السياسي، عادل المدوري، رئيس تحرير صحيفة الجريدة بوست، من مخاطر إعادة إنتاج سيناريو الصراع الذي شهدته الساحة الجنوبية في ستينيات القرن الماضي بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، في ظل التحولات السياسية والعسكرية الجارية اليوم في الجنوب.
وقال المدوري إن ما يجري حالياً لا يمكن اختزاله في إعادة تموضع قوى أو تبدل أدوار إقليمية، بل يمثل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية بالكامل، في ظل خروج الإمارات، وتفكيك المجلس الانتقالي، وتصاعد التحركات الشعبية لبعض قياداته في الداخل، مقابل حضور سعودي أكثر مباشرة عبر قيادات عسكرية ومساعٍ لتشكيل حامل سياسي–عسكري جنوبي جديد.
وأوضح أن الصراع في ستينيات القرن الماضي لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل صراع شرعية وتمثيل واحتكار للسلاح والاعتراف الخارجي، انتهى بإقصاء طرف كامل وترسيخ نموذج أحادي زرع بذور انقسامات استمرت لعقود، محذراً من أن عناصر الخطر ذاتها حاضرة اليوم وإن كان المشهد أكثر تعقيداً.
وأشار المدوري إلى أن تعددية القوى الجنوبية دون إطار جامع، وتنافس الرعاية الإقليمية، وتوزع الشرعية بين التمكين العسكري والتمثيل الشعبي، إلى جانب الخطاب التعبوي الإقصائي، تمثل عوامل تهدد بدفع الجنوب نحو مربع الاستنزاف الداخلي إذا تحوّل التنافس السياسي إلى صراع نفوذ مسلح.
وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود أكثر من حامل سياسي، بل في غياب قواعد واضحة لإدارة التنافس، لافتاً إلى أن أي انقسام عسكري جنوبي–جنوبي سيقود إلى تفكك الحاضنة الشعبية، وتآكل القضية الجنوبية، وتحويلها إلى ورقة ضغط إقليمية، دون وجود منتصر حقيقي.
وشدد المدوري على أن العلاقة مع السعودية والإمارات تفرضها الجغرافيا السياسية، إلا أن الفرق كبير بين الشراكة والارتهان، موضحاً أن فقدان استقلال القرار الوطني يفقد القضية الجنوبية جوهرها ومعناها.
ودعا رئيس تحرير الجريدة بوست إلى تحييد السلاح عن التنافس السياسي، والاتفاق على ثوابت حد أدنى، أبرزها رفض الاقتتال الجنوبي–الجنوبي، واحترام التعدد، والاحتكام إلى آليات توافقية واضحة، إضافة إلى إطلاق حوار جنوبي–جنوبي حقيقي يضم مختلف القوى السياسية والعسكرية والمجتمعية دون استثناء.
وختم المدوري بالتأكيد على أن الجنوب يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة تدوير التاريخ بصراعاته وإقصاءاته، أو تأسيس مرحلة جديدة قائمة على الشراكة والتوازن وإدارة التعدد، مشدداً على أن الفارق الحقيقي يكمن في امتلاك الوعي لتجنب الانزلاق، لا في امتلاك السلاح أو الدعم الخارجي.