آخر تحديث :السبت-07 فبراير 2026-01:04ص

وقفة عز

الجمعة - 06 فبراير 2026 - الساعة 05:19 م
هيثم الزامكي

بقلم: هيثم الزامكي
- ارشيف الكاتب


بقلم / هيثم الزامكي


​بعد توقفٍ عن الكتابة دام قرابة خمسة عشر عامًا، أعود الآن إليها، وأنا في حيرة من انتقاء الحرف بعد ذلك الانقطاع الطويل، لكنني اليوم مجبرًا على صياغة الكلمة جبرا؛ ليس فيه عليّ أدنى درجة من سلطان الآخرين، بل هو جبرٌ من سلطان ذاتي المثقلة بالحب والاعتزاز لذلك الفارس الذي يستحقّ من قلمي ان يهديه أرقى ما يستطيع بلوغه من معاني التقدير.

عرفته منذ عشرين عامًا، فارسًا شجاعًا، يحمل في يمينه قلمه، وعلى كتفه بندقيته، ويُحسن دائمًا استعمال كلٍّ منهما في المكان والزمان المناسب له، ما زال صوته يهتف في ضميري حتى الساعة، يوم كنّا نعدّ لقيام منظمة أبناء شهداء الجنوب، وكنّا في فناء داره بخور مكسر، نستمع إليه وهو يحتضن ويُحفِّز العشرات من أبناء الشهداء الذين حظروا من شتّى أطياف النسيج الجنوبي، للمشاركة في انجاز ذلك الحدث، الذي شكّل اللبنة الأساسية في تعميد مبدأ التصالح والتسامح بين الجنوبيين، بعد أن حوّله المخلصون للقضية من أبناء الشهداء إلى حدث ملموس على أرض الواقع.


زرته اليوم في ذات المكان الذي وقف به ذات يوم مخاطبًا الجميع، أن يترفّعوا فوق الجراح والأحقاد، ليخطّوا بنهج التصالح والتسامح؛ مستقبلا جديدا للجنوب وأبنائه، لم يدخّر "أحمد امزربة" جهدا أو مالا أو فكرا، إلّا وبذله من اجل قضيته العادلة، وكما يفعل الفرسان المخلصين لقضاياهم الكبرى، ظلّ ذلك الفارس الشهم يعمل من اجل هذه القضية دون أدنى رغبه منه إلى كسب شيئا من متاع الدنيا.


قدّم "امزربة" لأرضه ومجتمعه أعظم التضحيات بالدم والمال، وبسنوات من الصبر الطويل، وتحمّل مشقّة الضغوط التي انعكست آثارها السلبية على حالته الصحية، حتى استبد به المرض وأنهكه تماما، لكنّه بقي رغم كل الظروف والصعاب التي واجهته، شامخا عزيزا، يحفظ للأرض تاريخها وعنفوانها، ويحمل على عاتقه إرثًا عزيزًا، ورثه من طيب منبته الشريف في أرض دثينة الكريمة، ومن ذلك البيت النجيب الذي أخرج لهذه الأرض العديد من الأبطال.


يرقد اليوم الثائر أحمد امزربة في منزله طريح الفراش، ساكن النفس وهو صابرًا محتسبًا، مودعًا جسده المنهك؛ سرير الصبر والرضى بالمقسوم، أمّا روحه الزكية، فما زالت منفعلة مع واقعها، عبر آخر ما تبقى لديه من وسائل التعبير في هاتفه النقّال، وإلى جانبه أنبوب التنفس الصناعي، الذي أبى أن يكون في رئتيه إلّا عبيرًا وليس بأكسجين.


لا أملك أيّها العزيز "أحمد" في مثل هذه الأوقات إلّا التضرّع إلى مالك الملك جلّ جلاله أن يُنعم عليك بالشفاء العاجل، وأن يُنزِل سكينته على قلبك، ويجعل ما كتبه عليك في هذا الابتلاء، طهورًا لك من سوء، كما أذكّرك بعد هذا كله، أن لك في قلوب من عرفوك جلّ المحبة والتقدير، وأنّك ستبقى في قلوبنا وضمائرنا علمًا ونبراسًا لكل معاني الرجولة والشرف، وان هذا الإرث الذي نتمنى أن تزيد عليه من العطاء حين تقوم من فراشك؛ سيظل محطّة لتذكيرنا باستمرار أن حياة الحرّ ليست إلّا وقفة عزّ.