بين رمال "الأحقاف" ونخيل "نجد"، لم تكن الحكاية يوماً مجرد جغرافيا تتقاسم الحدود، بل كانت صلاةً طويلة من الوفاء الصامت. إن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والحضارم ليست "ملفاً" فوق مكتب ديبلوماسي، بل هي وشيجةٌ عُجنت من طين الأرض وعرق الكدح. لقد حمل الحضرميُّ في حقيبته الصبر قبل التجارة، وفي قلبه الأمانة قبل الربح، فجاء إلى هذه البلاد لا ليكون عابراً، بل ليبني في صميم كيانها مداميك من الصدق؛ فصار جزءاً من نسيجها الوطني، وصارت المملكة له وطناً يمنحه الانتماء بقدر ما يمنحها هو الولاء.
وعندما ننظر إلى حضرموت المحافظة، نجدها تمثّل "الرئة" التي يتنفس منها العمق الاستراتيجي للجزيرة العربية طمأنينته. إنها ليست مجرد مساحة شاسعة من الهضاب والوديان، بل هي مختبرٌ للقيم الإنسانية التي تلتقي مع تطلعات الدولة السعودية في الاستقرار والبناء. إن الرؤية السعودية تجاه حضرموت تتجاوز منطق "الإغاثة" إلى منطق "الشراكة الوجودية"؛ حيث يدرك العقل السياسي في الرياض أن استقرار المكلا وسيؤن هو امتداد طبيعي لأمن الظهران والرياض، في سيمفونية قدرية لا تقبل القسمة على اثنين.
إن التحليل العميق لهذه العلاقة يكشف لنا عن ظاهرة "التماهي الثقافي"؛ فالحضرمي الذي جاب الآفاق من جاوة إلى جدة، وجد في النهضة السعودية المعاصرة مرآةً لطموحه الوثاب. في المقابل، احتضنت المملكة الشخصية الحضرمية بتقديرٍ فائق، مدركةً أن هذا "الإنسان" يمتلك كيمياء خاصة تمزج بين المحافظة الاجتماعية والمرونة الاقتصادية. هذا التناغم ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة قرون من التداخل القبلي والروحي، جعلت من "الغترة" و"المعوز" تعبيراً عن هويتين تذوبان في بوتقة "العروبة والإسلام" دون تنافر.
ختاماً، تبقى حضرموت في الوجدان السعودي أكثر من مجرد "جار"، بل هي الضلع الذي يحمي الصدر، والمستودع الحضاري الذي يرفد المنطقة بالوعي والاعتدال. إن الرهان اليوم ليس على ترميم علاقة، بل على استثمار هذا الإرث العظيم لبناء مستقبل مشرق، تكون فيه حضرموت بموانئها وعقول أبنائها شريكاً فاعلاً في رؤية طموحة لا تعترف بالمستحيل. إنها قصة حب مكتوبة بمداد التاريخ، ولن تمحوها عاديات الزمن، لأن ما عُقد بالروح.. لا تفكّه السياسة.
آمل أن يجد المقال مساحة للنشر في صفحة "الرأي" الموقرة، بما يخدم تعزيز الوعي المشترك حول استقرار ومنطقة الخليج والجزيرة العربية.
مع خالص التقدير والامتنان،
الكاتب/ أصيل بن كوير النهدي