لم أكن على دراية مسبقة بزيارة تلك الشخصية الحضرمية الشجاعة التي رتبها لنا المهندس "لطفي أبو فواز"، حيث رافقنا في هذه الزيارة نجله "صدام"، ومهندس الطيران المتقاعد الأخ "باحكيم".
اتجهنا إلى منزل الشيخ صالح بن حريز (أبو مسفر)، حيث استقبلنا بحفاوة واستقبال لائق يعكس كرم أصله. وللأمانة، كانت هذه المرة الأولى التي ألتقي فيها بهذا الرجل وجهاً لوجه؛ إذ لم تكن معرفتي به سابقاً إلا من خلال أخبار "هبة العيون" وأحداث المواجهة في "معسكر نحب" و"غيل بن يمين".
الانطباع الأول: صراحة البدوي وشهامة العربي
اكتشفتُ أنني أمام رجل شجاع، يحمل شهامة العرب البدو الصادقين. يتحدث بثقة وصراحة متناهية، فهو رجل لا يقبل المواربة أو المراوغة، ولا يرضى بأن "يُضحك على الرجال" بالمجاملات الزائفة.
حدثنا الشيخ بن حريز عن تفاصيل الأحداث التي شهدتها الهضبة، موضحاً أهداف القوات القادمة وتطلعاتها تجاه رجال المنطقة. قال بن حريز:
"وقعنا اتفاقاً مع المحافظ (الأستاذ الخنبشي) برعاية اللجنة الخاصة السعودية برئاسة القحطاني، على أمل أن تنعم حضرموت بالأمن والسلام، ولأننا نحرص على حماية منشآت النفط في الهضبة باعتبارها ملكاً للشعب الحضرمي، ولم نكن نريد تعريضها لأي ضرر."
المواجهة وتصاعد الأحداث :
لكن الطموحات السلمية واجهت واقعاً مختلفاً؛ حيث فوجئ الجميع بتقدم قوات عسكرية مدججة بأحدث المدافع والطائرات المسيرة.
بدأت المواجهات عند مدخل "بترومسيلة"، حيث أبلى رجال قوات الحماية بلاءً حسناً بمقاومة شرسة رغم الفارق الكبير في التسليح. وسقط من المعتدين قتلى وجرحى، ورغم أننا لم نكن نرغب في سفك الدماء، إلا أن الطرف الآخر استخدم طائرات "الدرون" لضرب القوات، مما أدى لسقوط شهداء وجرحى في صفوف الحماية.
تلاحم القبائل والدفاع عن الأرض :
تحرك الشيخ بن حريز مع "المقدم" إلى "غيل بن يمين" لترتيب صفوف الدفاع عن الأرض والعرض، سواء في الغيل أو في "عقبة عكد" و"عيص خرد". كان التواصل مستمراً مع أفراد المقاومة من قبائل "الحموم" وسائر قبائل حضرموت الشرفاء الذين لبوا نداء الواجب.
أكد بن حريز أن الهدف من الاعتداء كان كسر إرادة حضرموت وإنهاء أي مقاومة قبلية أو دور لـ "الحلف" ورئيسه المقدم عمرو بن حبريش، للسيطرة الكاملة على منابع النفط. لكن تكتيك "معسكر نحب" والكمائن المحكمة ألحقت خسائر فادحة بالقوات المهاجمة.
وعن لحظات الحصار، قال بن حريز بكل إيمان:
"حاصروا غيل بن يمين من جهات عدة، لكننا توكلنا على الله ووضعنا أمامنا خيارين: النصر ودحر الغزاة، أو الشهادة. كنا مستعدين للمقاومة بالسلاح الأبيض إذا نفذت ذخيرتنا."
التدخل السعودي وحسم المعركة
بدأ سلاح الجو السعودي بإطلاق قنابل دخانية تحذيرية، وكان المقدم "عمرو بن علي بن حبريش" في مقدمة الصفوف يؤازر المقاتلين. ورغم دخول عشرات الأطقم إلى بيوت المواطنين والقيام بأعمال نهب غير إنسانية، إلا أن الأرض كانت تقاتل مع أصحابها.
وأخيراً، وبعد نفاذ كافة محاولات إقناع القوات المعتدية بالانسحاب، تدخل الطيران السعودي بضربات حاسمة، مما أدى لاندحار المعتدين تاركين خلفهم معداتهم وسلاحهم.
أخلاق المنتصر وتطلعات المستقبل :
رغم الألم، تعامل رجال حضرموت مع الأسرى بأخلاق القبيلة العربية؛ من كرم ومسامحة، موصلين رسالة مفادها: "أنتم إخوة، ولسنا دعاة تنكيل، رغم أن قيادتكم كانت تسعى لاعتقالنا".
دعا الشيخ بن حريز في ختام حديثه إلى جملة من النقاط الجوهرية:
* رعاية أسر الشهداء والجرحى: وتكريم تضحياتهم كأولوية قصوى.
* قوات الحماية:ضرورة ترقيمهم وضمهم رسمياً إلى قوات النخبة الحضرمية.
* منع سرقة النصر: لا ينبغي تجاهل من ضحى، سواء من رجال القبائل أو السند السعودي أو الشرفاء في الإعلام.
* العلاقة مع السعودية: تعزيز المصالح المشتركة (سياسياً واقتصادياً) باعتبار المملكة هي السند والأخ الصادق.
* الحكم الذاتي: يرى بن حريز أن "الحكم الذاتي" هو السبيل الوحيد حالياً للحضارم حتى تُحل مشاكل اليمن بشكل عام.
لقد أثلج صدري تواضع "أبو مسفر" وحبه لحضرموت، فهو لا يحمل ضغينة ضد أحد، بل يترفع بأخلاق القبائل لتحقيق الأمن والاستقرار بدعم الشرعية والأشقاء في السعودية، مع التأكيد على عدم التفريط في حقوق الشعب الحضرمي مهما عظمت التضحيات.