آخر تحديث :الثلاثاء-17 فبراير 2026-01:11ص

الساحل الغربي… حين تختار الأرض أهلها وتنتصر الحياة على الحرب

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 11:14 م
أحمد حوذان

بقلم: أحمد حوذان
- ارشيف الكاتب


ليست كل المدن تُشبه بعضها، فهناك أماكن لا تُبنى بالحجارة فقط، بل تُصاغ بالنية الصادقة والتضحيات. هكذا يبدو الساحل الغربي؛ أرضٌ تهامية تختار أهلها كما يختارها الطيبون، وتسكنها القلوب النقية قبل الأقدام. هنا، لا يصل الأشرار طويلاً، بينما يجد الأوفياء طريقهم سريعاً إلى المكان، كأن الأرض نفسها تعرف من يستحقها.

حين وصلت موجات النزوح إلى الساحل، لم تكن مجرد حركة بشر تبحث عن مأوى، بل حكايات تعب وأمل جاءت لتبدأ من جديد. امتزج القادمون بأهل الأرض، فصاروا جزءاً من نسيجها الإنساني؛ وجوه متعبة لكنها مملوءة بالكرامة، وأرواح وجدت في تهامة دفء الاحتواء قبل أي شيء آخر.

لم تأتِ هذه الحياة من فراغ. فقد سبقها طريق طويل من التضحيات التي قدمها منتسبو القوات المشتركة والألوية التهامية، الذين رسموا بدمائهم ملامح الأمان. تحولت مناطق كانت بالأمس خطوط مواجهة إلى مساحة للحياة، حيث وجد الناس الماء والغذاء والبحر المفتوح، ووجدوا قبل ذلك ترحيباً صادقاً جعل الغريب يشعر أنه عاد إلى بيته.

الساحل الغربي اليوم لم يعد ذلك الشارع الوحيد البسيط الذي عرفه الناس قديماً. المدينة تنمو بثقة؛ شوارع متفرعة ومشجرة، طرق إسفلتية حديثة، أحياء سكنية تتوسع، ومشهد عمراني يعكس إرادة واضحة للانتقال من زمن الحرب إلى زمن الاستقرار. لم يعد الحديث عن النجاة فقط، بل عن بناء حياة كاملة التفاصيل.

مدارس تستقبل الطلاب كل صباح، مياه وكهرباء تصل إلى المنازل، مستشفيات تقدم خدماتها، فنادق تستقبل الزائرين، ومطار يخدم المنطقة ويفتح نافذة اتصال جديدة مع العالم. منظومة خدمات لم تعد حلماً، بل واقعاً يلمسه أبناء المنطقة والمجتمعات الريفية والنازحون الذين وجدوا في هذه الأرض ملاذاً آمناً وكرامة مفقودة في أماكن أخرى.

العالم اليوم لا يُقنعه الكلام وحده؛ إنه يرى بالصورة ويسمع بالصوت. ولهذا أصبح الساحل قصة تُروى يومياً، حيث يدرك الصغير قبل الكبير طبيعة المعركة، ويعرف الجميع أن الوعي كان ولا يزال سلاحاً موازياً للبندقية.

امتدت رحلتنا عبر الطريق الساحلي قرابة خمسة وسبعين كيلومتراً حتى رأس العارة، حيث يلتقي البحر بملامح الصمود. هناك، حين تضيق الحياة بالأطفال، يصبح البحر متنفسهم؛ يلعبون على شاطئه، يغسلون تعب الأيام، ثم يعودون إلى بيوتٍ يشعرون فيها بالأمان والدفء. تفاصيل صغيرة لكنها تعني الكثير لمن عرف قسوة النزوح.

وفي طريق العودة عبر الجبال المكتظة بالحياة نحو مدينة التربة، بدت المخا وكأنها تكتب مستقبلاً جديداً. طريق حديث شُق بين الجبال وزُفلت طرقاته، تحرسه عيون رجال المقاومة الوطنية، في مشهد يلخص معادلة نادرة: البناء يسير جنباً إلى جنب مع الحماية.

هذه التحولات لم تكن صدفة، بل جاءت ثمرة جهود متواصلة ارتبطت باسم القائد الفريق الركن طارق صالح، حيث امتد العمل من تثبيت الأمن إلى مشاريع خدمية وتعليمية وصروح علمية أعادت حضور الدولة ومنحت المجتمع ثقة بالمستقبل.

وفي قلب هذا المشهد يقف الإعلام شريكاً في المعركة الوطنية، عبر إذاعة صوت المقاومة إلى جانب قناة الجمهورية، ناقلين صوت الميدان والناس معاً. هنا يعمل الإعلاميون بروح هادئة ومسؤولة، ومن بينهم الأستاذة إيمان النشيري التي تقود حضور المرأة في العمل الوطني بتواضع وأخلاق ، بينما يواصل مدير الإذاعة الدكتور أحمد غيلان عمله بعيداً عن الضجيج، مذكّراً دائماً برسالة واضحة: لا تنشغلوا بالصخب… فالمعركة واحدة وعدوها معروف.

الساحل الغربي اليوم ليس مجرد جغرافيا على خارطة اليمن، بل تجربة حيّة تقول إن المدن التي يحرسها الأوفياء قادرة على النهوض مهما اشتدت العواصف، وإن الحياة — حين تجد من يؤمن بها — تستطيع دائماً أن تنتصر على الحرب.