آخر تحديث :الأحد-01 مارس 2026-12:56ص

صراعات الشرعية وتعثر الحسم… كيف أطالت الحسابات الضيقة أمد الانقلاب؟

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 09:53 م
مطيع سعيد سعيد المخلافي

بقلم: مطيع سعيد سعيد المخلافي
- ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الانقلاب الحوثي، تعددت الأسباب التي سيقت لتبرير تأخر معركة الحسم واستعادة الدولة وتحرير بقية المحافظات الواقعة تحت قبضة المليشيات. غير أن المتتبع لمسار الأحداث يلحظ أن جانباً كبيراً من التعثر لا يرتبط فقط بتعقيدات الميدان، بل بخلافات واختلالات داخل معسكر الشرعية ذاته.

فقد أسهم فشل بعض مكونات الشرعية، وارتهانها للحسابات الحزبية والأنانية السياسية الضيقة، في إضعاف الجبهة الداخلية وتشتيت القرار السياسي والعسكري. وبدلاً من ترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية، سعت هذه القوى إلى الانفراد بقرار الدولة واحتكار تمثيلها،

ما أدى إلى إقصاء مكونات أخرى كان يفترض أن تكون شريكاً في معركة استعادة الجمهورية. هذا السلوك خلق بيئة من التنازع والتشظي، في وقت كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى وحدة الصف وتكامل الجهود.


وعلى الصعيد العسكري، لم يُستثمر دعم التحالف العربي بالشكل الأمثل. فبدلاً من توجيه هذا الدعم نحو بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومنظمة، جرى توظيفه في خدمة مشاريع ضيقة، وبناء تشكيلات غير متجانسة على أسس حزبية ومناطقية، تضمنت مئات الآلاف من الأسماء الوهمية والمكررة، في ظاهرة أضرت بالبنية المؤسسية وأهدرت الموارد، وهو ما أكده وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في تصريح سابق تحدث فيه عن وجود نحو 300 ألف اسم جندي وهمي أو مكرر في سجلات القوات العسكرية بالمحافظات المحررة، وهو رقم يعكس حجم الخلل الإداري والمالي داخل المؤسسة العسكرية.


وفي الجانب الإداري والسياسي، ركزت تلك القوى على إحكام قبضتها على المناصب العليا السياسية والعسكرية والأمنية، وعمدت إلى تمكين كوادرها في مفاصل الدولة الإدارية والسلك الدبلوماسي، إلى جانب الهيمنة على المساعدات الخارجية والمنشآت الإيرادية، وإنشاء أذرع إعلامية حزبية تخدم توجهاتها، ما عزز صورة الدولة المنقسمة على ذاتها.


سياسياً، أخفقت تلك المكونات في إدارة علاقاتها الداخلية، وانخرطت في خصومات جانبية مع شركاء يفترض أنهم حلفاء في مواجهة الانقلاب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سعت إلى إفشال أي تقدم عسكري أو سياسي قد يُحسب لمكونات جمهورية أخرى. ويُستحضر في هذا السياق موقفها من انتفاضة الثاني من ديسمبر 2017م، التي مثلت لحظة فارقة كادت تغير موازين القوى في صنعاء، إلا أن الحسابات الضيقة حالت دون استثمارها بالشكل المطلوب.

وإبرامها لاتفاقية ستوكهولم في 13 ديسمبر 2018م، والتي نصت على توقف العمليات العسكرية في الحديدة، في وقت كانت القوات المشتركة قد وصلت إلى قلب مدينة الحديدة ومشارف الحسم.


أما خارجياً، فقد اتسم الأداء بالازدواجية؛ إذ بُنيت العلاقات مع بعض الدول على أساس الولاء السياسي، في حين سادت القطيعة أو التوتر مع دول داعمة أخرى، ما انعكس سلباً على تماسك التحالف وأضعف الرسالة السياسية للشرعية. والأخطر من ذلك أن هذه الخلافات ما تزال مستمرة، حيث تُسخر تلك القوى جهودها السياسية والعسكرية والإعلامية لاستهداف شركاء في المعسكر ذاته، متجاهلة أن المعركة الحقيقية لا تزال مع الانقلاب ومشروعه.


إن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بجيش منقسم، ولا بشرعية متنازعة، ولا بإعلام يكرس الانقسام. فالحسم يبدأ من الداخل، بمراجعة صادقة للأخطاء، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية، وبناء شراكة حقيقية تعيد توجيه البوصلة نحو الهدف الأسمى: إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة على أسس وطنية جامعة.