آخر تحديث :الأربعاء-04 مارس 2026-01:56ص

حين تُنقل الحرب إلى الطاقة: مقامرة تدوير الكلفة وحدود القدرة على الاحتمال

الثلاثاء - 03 مارس 2026 - الساعة 04:16 ص
فارس النجار

بقلم: فارس النجار
- ارشيف الكاتب


بقلم : فارس النجار/ مستشار مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية للشؤون الاقتصادية

لم يكن ما جرى خلال الأيام الأخيرة مجرد تصعيد عسكري إضافي في حرب مشتعلة، بل كان انتقالًا إلى مستوى مختلف من الصراع. استهداف منشآت الطاقة في السعودية، وتعطيل إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، ثم إغلاق مضيق هرمز، ليست وقائع منفصلة، بل حلقات في مسار واحد وهو نقل الحرب من ساحة المواجهة العسكرية إلى شريان الاقتصاد العالمي.

حين تُستهدف منشآت في أكبر دول مصدّرة للنفط في العالم، وحين يتعطل إنتاج الغاز المسال في دولة تمثل قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى خصم عسكري محدد، بل إلى منظومة الطاقة الدولية بأكملها. وحين يُهدَّد مضيق يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا أي ما يقارب خمس النفط المنقول بحرًا عالميًا فإن المسألة تتجاوز حدود الضربة التكتيكية لتصبح محاولة لإعادة تعريف طبيعة الحرب نفسها.

ردة فعل الأسواق جاءت فورية. قفز النفط بأكثر من 10% خلال ساعات، وارتفع الغاز الأوروبي بأكثر من 40%، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة حادة. لكن السوق في مثل هذه اللحظات لا تتفاعل فقط مع حجم الضرر الفعلي، بل مع احتمالات استمرار الاضطراب. التهديد وحده يكفي لإعادة تسعير المخاطر، لأن الطاقة ليست سلعة عادية، بل مدخل كل سلعة أخرى، من الصناعة إلى الغذاء إلى النقل.

وهنا يظهر منطق تدوير الكلفة. حين يجد نظام سياسي نفسه تحت ضغط عسكري مباشر، قد يختار توسيع دائرة الألم بدل الاكتفاء برد محدود. والفكرة واضحة التي يريج إيصالها نظام ملالي ايران إذا كانت الحرب مكلفة لي، فسأجعل استمرارها مكلفًا للجميع. واستهداف الطاقة يحقق هذا الهدف بسرعة، لأنه ينقل الصراع من جبهة عسكرية محدودة إلى منظومة اقتصادية مترابطة عالميًا. كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل يعني مئات المليارات من الدولارات الإضافية في فاتورة الطاقة العالمية سنويًا، ويضيف ضغوطًا تضخمية مباشرة على الاقتصادات الصناعية.

لكن رفع الكلفة شيء، والقدرة على تحمّلها شيء آخر!!!

استهداف منشآت الطاقة في السعودية وقطر يمثل المرحلة الأولى من هذا المسار وهو ضرب نقاط الإنتاج والمعالجة. أما إغلاق مضيق هرمز، فهو تصعيد إلى مستوى أعلى، لأن الأمر لم يعد يتعلق بمنشأة يمكن إصلاحها، بل بممر بحري يمثل نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. ومع ذلك، فإن إدخال هرمز في المعادلة لا يلغي ما سبقه، بل يعمّق منطق نقل الحرب إلى بنية النظام الاقتصادي العالمي.

غير أن استخدام الورقة القصوى يحمل مخاطره. إغلاق المضيق ليس أداة ضغط صغيرة يمكن استخدامها مرارًا دون تبعات. في علم الاستراتيجية، حين تُستخدم أقوى الأوراق في بداية التصعيد، يضيق هامش المناورة لاحقًا. لأن السؤال يصبح: ماذا بعد؟ إذا كان تعطيل الممر هو أعلى درجات الضغط الاقتصادي، فإن أي استمرار طويل للصراع سيدفع تلقائيًا إلى ردود أوسع، لا إلى انكماشها.

على المدى القصير، يمكن لهذا التصعيد أن يحقق أهدافًا واضحة: إرباك الأسواق، رفع الأسعار، خلق ضغط سياسي في العواصم الكبرى، وإرسال رسالة بأن الحرب لن تبقى محصورة جغرافيًا. غير أن المدى المتوسط يحمل ديناميكيات مختلفة تمامًا. كلما طال أمد اضطراب الملاحة، زادت احتمالات تعزيز الوجود البحري الدولي في الخليج تحت عنوان حماية الممرات. وكلما استمر تهديد الإمدادات، تسارعت مشاريع المسارات البديلة وخطوط الأنابيب خارج نطاق المضيق. ومع كل أزمة كبيرة، تميل الدول المستهلكة إلى رفع مخزوناتها الاستراتيجية وتسريع تنويع مصادرها الطاقية.

بعبارة أخرى، استخدام المضيق كورقة ضغط مستدامة يخلق حافزًا عالميًا لتقليل فعاليته مستقبلًا. وهذا أحد التناقضات الجوهرية في منطق تدوير الكلفة: ما يحقق تأثيرًا سريعًا قد يدفع الآخرين إلى إعادة هيكلة بيئتهم بطريقة تقلل من قدرة صاحبه على استخدامه مرة أخرى.

غير أن تحليل كلفة التصعيد لا يكتمل دون النظر إلى ميزان القدرة على الاحتمال بين الأطراف المعنية. فالحرب الاقتصادية ليست فقط تبادل ألم، بل اختبار صمود طويل النفس.

السعودية تدير اقتصادًا يتجاوز تريليون دولار، وتملك احتياطيات أجنبية تقارب 400 مليار دولار، إضافة إلى صندوق استثماري سيادي يتجاوز حجمه 700 مليار دولار. قطر تمتلك صندوقًا سياديًا تزيد أصوله على 450 مليار دولار، وناتجًا مرتفعًا للفرد، واحتياطيات مالية قوية. هذه الاقتصادات، رغم تأثرها المؤقت، تمتلك أدوات امتصاص الصدمات.

أما الاقتصادات الكبرى المستهلكة للطاقة كالصين (ناتج يفوق 17 تريليون دولار)، والاتحاد الأوروبي (أكثر من 16 تريليون دولار)، واليابان (نحو 4 تريليونات دولار) فهي تمتلك احتياطيات استراتيجية، وأسواقًا مالية عميقة، وأدوات نقدية ومالية لاحتواء التضخم والصدمات.

في المقابل، يقف الاقتصاد الإيراني في موقع مختلف جذريًا. ناتج محلي يُقدَّر بنحو 400 إلى 450 مليار دولار تقريبًا، تضخم تجاوز 40% في السنوات الأخيرة، عملة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال العقد الماضي، عجز مالي متفاقم، واحتياطيات أجنبية محدودة ومقيدة. حرب ممتدة تعني زيادة الإنفاق العسكري في اقتصاد محدود الموارد، وتعني توسع العجز في ظل صعوبة الوصول إلى التمويل الدولي، وتعني ضغطًا إضافيًا على سعر الصرف وارتفاعًا في كلفة الواردات.

الأهم أن اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن لا يطال خصوم إيران فقط، بل يرفع كلفة تجارتها هي أيضًا. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من هشاشة نقدية، تتحول حرب الاستنزاف إلى اختبار قدرة على الاحتمال، لا مجرد أداة لإحداث الإرباك.

وهنا تتضح المحصلة النهائية بوضوح في أن تدوير الكلفة قد ينجح في رفع أسعار النفط والغاز وإرباك الأسواق في المدى القصير، لكنه في المدى المتوسط والبعيد يميل إلى تحميل العبء الأكبر على الاقتصاد الأقل مرونة والأقل قدرة على امتصاص الصدمات. العالم يمتلك أدوات التكيف التدريجي، أما الاقتصاد الذي يدخل المواجهة وهو مثقل بقيود داخلية مزمنة، فإن هامش تحمّله أضيق بكثير.

ففي الحروب التي تُنقل إلى شرايين الاقتصاد العالمي، لا يُحسم الصراع بقدرة طرف على إغلاق ممر أو تعطيل منشأة، بل بقدرته على تحمّل تبعات ذلك الإغلاق. وإذا طال أمد التصعيد، فإن ما بدا أداة لخنق الآخرين قد يتحول إلى عبء استراتيجي واقتصادي ثقيل على من استخدمه.

ليس السؤال إذن: هل يمكن نقل الحرب إلى الطاقة؟

بل من يستطيع الصمود عندما تتحول الطاقة إلى ساحة حرب طويلة النفس؟

وفي ميزان القدرة على الاحتمال، لا تميل الكفة دائمًا لمن أحدث الصدمة أولًا، بل لمن يملك اقتصادًا أوسع، واحتياطيات أعمق، ومؤسسات قادرة على الصمود. وإذا استمر هذا المسار، فإن مقامرة تدوير الكلفة قد لا تخنق خصوم إيران، بل قد تعمّق استنزافها وتعجل بزوال نظامها هي أولًا.