آخر تحديث :الأربعاء-04 مارس 2026-01:56ص

دكان المحافظ

الثلاثاء - 03 مارس 2026 - الساعة 01:42 م
محمد طالب

بقلم: محمد طالب
- ارشيف الكاتب


محمد طالب


الخوخة مدينة نائمة على البحر، ويبدو أن الحكومة تتحاشى إيقاظها. لا من باب التهميش المتعمد — حاشا لله — بل حفاظًا على جمالها الفتان؛ فالمدن الفاتنة يُستحسن أن تبقى نائمة، فالجميع يعرف خطورة إيقاظ الفتن، حتى ولو كان الإيقاظ عبر مجمع حكومي.


وفوق ذلك، فإن الخوخة — على ما يبدو — تعاني من متلازمة الإيمان الشديد بالدولة؛ إيمانٍ يشبه إيماننا بالغيبيات، نؤمن بوجودها يقينًا رغم أننا لم نرها بعد.


تحررت من الحوثي، ولم تتحرر من النسيان والإهمال.


كل ما سبق، عزيزي القارئ، لم يكن إلا خواطر خطرت لي بعد مشاهدتي لفيديو محافظ الحديدة وهو يناشد الرئيس بسقفٍ للدولة لا أكثر. الرجل لا يطلب مدينة ذكية، ولا مشروعًا استثماريًا، بل مبنى بسيطًا يجتمع فيه الموظفون الذين — وفقًا لمناشدته — باتوا يداومون في دكاكين.


حتى خُيّل إليّ أن المواطن هناك يدخل لينجز معاملته، فيفاجأ الموظف بسؤال عكسي: بكم كيس الدقيق اليوم؟ ربما لأن الدكان يعمل عمايل. لا يسأل عن معاملته أين وصلت، بل عن سعر السوق أين وصل. ففي الخوخة، صار الدكان والمدير لا يجتمعان إلا وكان دفتر الديون ثالثهما.


وبما أن لدينا حكومة جديدة — كما يُقال بالعامية — طازة، فإننا نأمل أن تفكر هذه المرة خارج صندوق التهميش المعتاد لهذه الرقعة الجغرافية، وأن تزور الخوخة لتتفقد دكاكين موظفيها قبل عشش مواطنيها. وإن كان لفظ دكاكين لا يليق بالمقام الحكومي، فأنا مستعد أن أتبرع بالهمس في أذن المحافظ ليُبدّل الكلمة إلى سوبر ماركيتات، حتى لو كان الإيجار أعلى، فكل شيء يهون لأجل عيون المدينة والحكومة، حتى لو كانت المعاملات تُوزن قبل أن تُختم.


فالخوخة مدينة نائمة على ذات البحر الذي تنام عليه المخا، لكن الفرق أن البحر هناك صار خلفية موسمية للصور والاحتفالات، 'اللهم لا حسد وعيني عليها باردة "لكن بينما في الخوخة ما زال البحر يمارس الصمت.


ولا أعتقد بأننا بحاجة إلى الهمس لبريطانيا بالتدخل لدى الحكومة لزيارة الخوخة، كما تدخلت بتكبيل استمرار معركة التحرير باتفاقية استكهولم. فالخوخة ليست معركة حتى تُجمّد، بل مدينة تحررت من الميليشيات ولم تتحرر من التهميش الحكومي.


ولا نقول إن الزيارات انتهت، لأنها ببساطة لم تبدأ.


ولا أهاجم الحكومة هنا، فهذا عتب مُحب. لكن من حق الخوخة أن تسأل: لماذا يزورها الحوثي في الحرب، وتزورها الإمارات في مرحلة ما بعدها، وتبقى الزيارة الحكومية مؤجلة إلى إشعار آخر؟ لماذا تمرّ عليها كل الأيادي، ولا تستقر عليها يد الدولة؟


فالمدينة لا تطلب أكثر من حضور رسمي يقول لها: نحن هنا. لا تحتاج بيانًا طويلًا، ولا صورة موسمية، ولا احتفالًا عابرًا على خلفية البحر، بل زيارة تُشعرها أنها جزء من الجمهورية، لا ملحقًا مؤقتًا بها.


ومن باب الإنصاف — وحتى لا نكون مجحفين في حق الإمارات — لا يمكن إنكار أنها كانت سبّاقة في البناء في الخوخة. كان بالإمكان إنشاء مجمع حكومي يُذكر الناس به، لكنها بنت سجن أبو موسى الأشعري. ربما كان التباسًا بسيطًا بين مجمع ومعتقل، أو حماسًا في اختيار اللافتة. فاليد التي اعتادت بناء السجون يصعب عليها فجأة أن تبني مجمعًا إداريًا.


ويبدو أن تسمية أبو موسى لم تكن بلا دلالة؛ فكأن الضابط الذي افتتح السجن لم يفتتح مبنى احتجاز، بل استعاد جزيرة محتلة. يُسأل: من أين جئت؟ فيجيب بثقة: من أبو موسى، فيرتبك السائل لحظة ظنًا أن الجزيرة عادت.


لكن الخوخة اليوم لا تحتاج زنزانة جديدة، بل مدرسة، ولا تحتاج قفلًا آخر، بل مستشفى، ولا تحتاج لافتة سجن، بل لافتة مجمع حكومي تعيد الموظف إلى مكتبه.


وأعتقد أن كل هذا لن يأتي إلا عبر المملكة العربية السعودية، صاحبة البصمة التنموية الأجمل في كل مدينة يمنية محررة، وآخر بصماتها في تعز عبر مشروع الكهرباء الذي تم اعتماده من خلال البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.


واليوم وخصوصا أن الخوخة ستدخل على صيف مضني بلا كهرباء فلسان حالها كمدينة ساحلية يقول: بعد إذن جلالة الملك سلمان والبرنامج السعودي نحن ايضا "نبغى ندلع".