ما زلت في عدن، لكن روحي منذ ساعات في بكين. لا تحتاج آلاف الأميال لتكون حاضراً، يكفي أن تفتح قلبك وتسمح له بالتحليق إلى هناك
دخلت القاعة قبل أن يدخلها النواب. تخيلت المقاعد الخشبية الداكنة وقد مسحتها أيدي العمال عند الفجر، والثريات الضخمة تختبر إضاءتها للمرة الأخيرة، والأوراق التي ستُتلى تُرتب بدقة متناهية على منصة الرئاسة. كنت هناك وأنا في غرفتي أرتدي ثوب النوم
ثم بدأ النواب بالتوافد. امرأة من التبت تمر بجانب رجل أعمال من شنجن، أكاديمي من بكين يحيي شاباً من شينجيانغ بيد مصافحة حارة، وأخرى ترتدي زي الداي التقليدي الملون تبحث عن مقعدها بين البدلات الرسمية. كل حركة، كل ابتسامة، تحكي قصة بلد بحجم قارة
الرئيس شي جين بينغ يتقدم المنصة. شعور غريب يملأ قلبي. كأن المقعد الفارغ في الصفوف الخلفية كان بانتظاري. كأن الكلمات التي ستُقال ليست موجهة للحاضرين فقط، بل لكل من يتابع ويتأمل حتى من آلاف الأميال بعيدًا
بدأ رئيس الوزراء لي تشيانغ يقرأ تقرير عمل الحكومة. أرقام عن النمو، الميزانيات، والخطة الخمسية 2026–2030. في ظاهرها أرقام باردة، لكنها تحمل خطة لدولة ضخمة. كل رقم له وزن، كل فقرة تحمل رسالة. وفي القاعة، تصفيق متقن، متزامن، يملأ المكان بعد كل فقرة. وأنا في غرفتي صفقت وحدي
اللحظة الأكثر تأثيراً كانت مع امرأة مسنّة في الصفوف الخلفية، زياً تقليدياً بسيطاً، ويداها مجعدتان من طول عمر العمل. وعندما وصل التقرير إلى فقرة "دعم الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجاً"، تشكلت دمعة في زاوية عينها، ثم تدحرجت على خدها ببطء. تلك الدمعة كانت أجمل من كل الأرقام والتقارير
ثم عرفت أن هذا كله ليس مجرد أرقام وخطط داخل الصين فقط. "الصين لا تكون بخير، إلا حينما يكون العالم بخير؛ وحينما تكون الصين بخير، يكون العالم أفضل". بهذه الرؤية صاغت الصين مفهومها للانفتاح والتعاون، وعملت على تعميقه بصورة متواصلة عبر التنفيذ المرحلي لخططها الخمسية: فمن الخطة الخمسية الثالثة عشرة التي دعت إلى "استكمال الأطر والآليات المؤسسية بما يعزز التعاون القائم على المنفعة المتبادلة ويتوافق مع قواعد الاستثمار والتجارة الدولية"، إلى الخطة الخمسية الرابعة عشرة التي أكدت على "التمسك بتوسيع الانفتاح على الخارج في نطاق أوسع ومجالات أرحب ومستويات أعمق"، وصولًا إلى مقترح الخطة الخمسية الخامسة عشرة الذي شدّد على أن "التمسك بالانفتاح والتعاون والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك هو مطلب حتمي للتحديث الصيني النمط".
بعد انتهاء الجلسة، خرجت لأتمشى في شوارع عدن الرمضانية. الشارع هادئ، الناس صائمون، الإيقاع بطيء. جلست على شاطئ البحر، أراقب الموج، وأفكر: هناك في بكين تُرسم ملامح السنوات الخمس القادمة، تُتخذ قرارات، تُحدد اتجاهات، والعالم يمضي خطوة إلى الأمام. هنا… ننتظر فرصتنا.
شيء في داخلي تغير اليوم. لم أعد مجرد متابع، بل صرت أشعر أن ما يحدث هناك يعنيني. ليس لأنني جزء منه، بل لأنني مؤمن أن التخطيط يصنع الفرق. الرؤية الواضحة، الأرقام الدقيقة، المتابعة اليومية، هي ما يحوّل الأمم من فوضى إلى نظام، ومن تخلف إلى تقدم. تذكرت اتفاقية تطوير المنطقة الحرة في عدن الموقعة مع الصين، وتساءلت: هل سيكون لنا نصيب من هذا النهج؟
عدت إلى غرفتي، فتحت الهاتف، وبدأت أكتب. أكتب عن آلاف الأميال التي تفصلني عن بكين، عن شعور غريب بالجيرة الروحية يجمعني بها. أكتب عن حلم بسيط: أن أكون هناك يومًا، لا لأصفق من بعيد، بل لأكتب من قلب القاعة، شاهداً لا متفرجًا
حتى يحين ذلك اليوم، سأظل هنا أتابع، أكتب، أحلم بصمت. المكان لا يصنع الكاتب، القلب يصنعه. وقلبي منذ زمن هناك، في بكين، مع كل دورة تُفتتح، وكل خطة تُرسم، وكل حلم يتحقق
نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين