تُعد الاعتداءات على السيادة الوطنية والقومية من أبرز التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية في العصر الحديث، وذلك لأنها تمس جوهر الاستقرار وتعرّض الأمن والمصالح الحيوية للخطر.
ومن هذا المنطلق، تظهر أهمية التنسيق والتضامن الرسمي على المستويين العربي والإسلامي كآلية استراتيجية لمواجهة هذه الاعتداءات، فالعمل الجماعي يوفر قوة ردعية تفوق أي جهود فردية ويعزز قدرة الأمة على حماية مصالحها المشتركة.
ويضمن التضامن حماية المصالح التي تتجاوز الحدود الوطنية الفردية في مجالات الأمن والموارد والقضايا الإقليمية الحيوية، مما يجعل السياسات موحدة والقرارات أكثر فاعلية في التصدي للتحديات. كما يسهم التنسيق المشترك في توحيد المواقف الدبلوماسية في المحافل الدولية، ما يعزز مصداقية الموقف القانوني والسياسي للأمة ويمنحها قوة تفاوضية أكبر، ويمكّن من إعداد استراتيجيات دفاعية متكاملة لمواجهة التحديات بفعالية، مما يرسل رسائل واضحة لأي جهة تحاول المساس بسيادة الدول الأعضاء أو استغلال أي ضعف.
ومع كل هذه الجهود لتعزيز التضامن، لا يمكن إغفال المخاطر الداخلية التي قد تهدد وحدة الصف، وهو ما يستلزم النظر إلى الانقسامات الداخلية بعين الحرص والوقاية.
تظهر خطورة الانقسامات الداخلية على وحدة الصف، فتبقى التحديات الداخلية عاملاً مؤثراً لا يمكن تجاهله، إذ أن أي انقسام أو صراع جانبي بين القوى الحية في الأمة قد يقوّض هذه المكاسب ويقلل من فاعليتها، حيث يمكن أن تتحول الخلافات الصغيرة إلى نقاط ضعف كبيرة تستغلها القوى الخارجية.
فبينما يشكل التعاون الرسمي قوة ضامنة لمواجهة الاعتداءات الخارجية، فإن النزاعات الداخلية تمثل نقطة ضعف يمكن استغلالها، ولذلك يجب أن تسير خطوات التنسيق والتضامن جنباً إلى جنب مع آليات واضحة لتجنب الانقسامات الداخلية والحفاظ على وحدة الصف.
وعند النظر إلى هذه الانقسامات، يتضح أن الانجرار إلى المعارك الجانبية بين القوى الحية يمثل تهديداً إضافياً يجب تفاديه لتعزيز نقاط التلاقي والتضامن. ففي المقابل، يشكل الانجرار إلى المعارك الجانبية بين القوى الحية في الأمة عائقاً أساسياً أمام تعزيز نقاط التلاقي والتضامن، لأنه يشتت الجهود ويضعف القدرة على مواجهة التحديات الكبرى بشكل موحد وفعّال. كما يقوّض الثقة المتبادلة بين هذه القوى، مما يؤدي إلى انعدام التنسيق ويتيح للأعداء استغلال الخلافات لتعزيز نفوذهم وتهديد السيادة والاستقرار.
ولمنع ذلك، توجد مجموعة من القواعد والمبادئ التي تعمل على الحفاظ على وحدة الصف، أبرزها إعطاء الأولوية للقضايا الوطنية والقومية المشتركة، والتأكد من توجيه الجهود والموارد لمواجهتها قبل أي خلافات ثانوية، والحرص على الحوار والتشاور الداخلي لتسوية الخلافات بعيداً عن الصراعات العلنية، مما يخلق بيئة مستقرة للقرار الجماعي ويحد من الانزلاق نحو النزاعات الداخلية.
كما يساهم توحيد المواقف والتنسيق الرسمي بين القوى الحية تحت مظلة مشتركة في الحد من الانقسامات، في حين تعمل الرقابة الذاتية والتربية السياسية على تعزيز الوعي بخطورة الانقسامات على السيادة والاستقرار، ويضمن اعتماد التسوية السلمية للنزاعات حلها دون اللجوء إلى الصراع المسلح أو المناورات التي تضعف التضامن، مما يحافظ على القوة الداخلية للأمة ويقوي موقفها الخارجي.
وبناءً على ما سبق، يصبح من الواضح أن التنسيق والتضامن الرسمي مع تجاوز الصراعات الجانبية ضرورة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها لضمان حماية مصالح الأمة واستقرارها. من هذا المنطلق، يصبح التنسيق والتضامن الرسمي، إلى جانب تجاوز الصراعات الجانبية والحفاظ على وحدة الصف، لأنها تحمي مصالح الأمة وتزيد من قدرتها على مواجهة تحدياتها المصيرية بفعالية واستقرار.
إن الالتزام بهذه المبادئ لا يحمي السيادة الوطنية والقومية فحسب، بل يعكس قوة الأمة وقدرتها على الحفاظ على مكانتها الدولية ومواجهة أي تهديدات مستقبلية بكفاءة وحكمة.
الامين العام السابق لاتحاد المحامين العرب