(قراءة في مدرسة نور الدين وصلاح الدين)
بقلم: عبدالرب السلامي
9 مارس 2026م
مدخل:
في القرنين الخامس والسادس الهجريين، واجه العالم الإسلامي تهديدين كبيرين: غزوًا صليبيا من الخارج، وتمددا باطنيا من الداخل.
بلغ الغزو الصليبي ذروته باحتلال المسجد الأقصى سنة 492هـ، واستمر قرابة تسعين عاما. وكان التمدد الباطني قد بلغ ذروته بقيام الدولة العبيدية في مصر سنة 362هـ، التي امتد نفوذها إلى الشام والمغرب واليمن على يد الصليحيين.
نحن اليوم بحاجة إلى دراسة تلك المرحلة، لا سيما والعالم الإسلامي يواجه تحديات مشابهة إلى حد كبير.
مشروع المواجة:
واجهت الأمة هذين الخطرين بمشروع تاريخي، جمع بين فكر الدولة والمقاومة العسكريةوالإصلاح السياسي والاستنهاض العلمي، حتى تُوج بالنصر على يد القائد صلاح الدين الأيوبي؛ بإسقاط الدولة الفاطمية في مصر، وتحرير القدس، ودحر الغزاة الصليبيين.
مرتكزات المشروع:
إن أي مشروع نهضوي يقوم -بالضرورة- على ركيزتين أساسيتين: (الرافعة والمنهج)، ولذا سيكون تركيزنا في قراءة تلك المرحلة على هاتين المسألتين:
أولا: رافعة المشروع:
القارئ لتاريخ تلك المرحلة يلاحظ ثلاث روافع أساسية: (دولة حاملة للمشروع، وعلماء مجددون للفكر، ومدارس صانعة لأجيال النصر):
1) الدولة الحاملة للمشروع:
أدرك السلاجقة العظام في المشرق والمرابطون في المغرب ثم الزنكيون في الشام، أن القوة لا تجابه إلا بالقوة، وأن المشاريع الكبرى لا تتجسد على الأرض إلا إذا حملتها دولة قوية، فتلك سنة كونية لا مناص منها؛ فشمروا لتلك المهمة وأقاموا دولا فتية الرافعة السياسية والعسكرية للمشروع السني في ذلك العصر. ولفهم أعمق لتلك التجربة واستلهام دروسها، ننصح بالرجوع إلى سير أبرز قادتها: (ألب أرسلان، ويوسف بن تاشفين، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي)، فهم مصابيح مفقودة في عصر يشبه العصر!.
2) العلماء المجددون:
الدول، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا تستطيع أن تبني مشروعا حضاريا من دون فلسفة في الحكم، ونموذجٍ معرفي للحياة ينبع من هوية الأمة وحضارتها، ومن هنا يأتي دور العلماء المجددين كرافعة فكرية للمشروع. وفي ذلك العصر برز نخبة من كبار العلماء والمفكرين اضطلعوا بدور التجديد الفكري والبعث الحضاري، من أبرزهم: (إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: مجدد فقه السياسة الشرعية ومؤسس نظرية "الضرورة السياسية"، وتلميذه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: فيلسوف زمانه، وعلم التجديد في علوم السياسة والدين، وثالثهم الإمام عبدالقادر الجيلاني: مصلح مدرسة التصوف ومربي جيل الجهاد، ثم كوكبة من حداة الجهاد ومرشدي السلاطين وصناع القرار فيها مثل: ابن عساكر الدمشقي، وأبو بكر بن العربي المالكي، والقاضي عياض، والقاضي الفاضل، وغيرهم).
3) المدارس صانعة الأجيال:
أدرك قادة تلك المرحلة أن مقاومة الغزو الصليبي ومدافعة التمدد الباطني لا تتحقق بالعمل العسكري وحده، ولا بمؤلفات العلماء وحدها؛ فالمعارك الحضارية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية واسعة وأرضية ثقافية راسخة، ومن هنا ولدت فكرة تأسيس محاضن تربوية لصناعة أجيال الصمود والنصر، فابتكر وزير السلاجقة الداهية: (نظام الملك) نظاما تعليميا عرف بـ"المدارس النظامية"، يعد -بشهادة علماء التربية- أعظم النظم التعليمية في عصره، ثم تطورت التجربة في عهد نور الدين زنكي بما عرف بـ "المدارس النورية".
ثانيا: منهج النهوض:
لم تكن مدرسة نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي مجرد حركة عسكرية فحسب، ولا جماعة منغلقة في دائرة الاستقطاب الطائفي، بل مثلت مدرسة سياسية وفكرية متكاملة، قامت على منهج مقاصدي واعٍ في إدارة الصراع والإصلاح السياسي. ولعل ذلك يعود إلى رسوخ قادتها وعلمائها في علوم: التاريخ والأصول والسياسة الشرعية وفلسفة الحكم. هذا المنهج جدير بالدراسة، وهو أوسع من أن يلخص في مقال، ولكن حسبنا أن نذكر أربعة من أبرز معالمه:
1. الموازنة بين الأخطار وترتيب الأولويات:
عندما تحركت الجيوش الصليبية نحو مصر، أدرك نور الدين أن سقوطها بيد الصليبيين سيقلب موازين القوى في المنطقة، فقرر إيقاف صراعه مع الدولة الفاطمية، بل أرسل جيوشه مرتين لنصرتها، بقيادة أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي. وكان قرارا استراتيجيا، ينم عن وعي سياسي وشرعي عالي، وقد أيده طيف واسع من العلماء والفقهاء في تلك المرحلة؛ إذ تغيرت الأولويات لديهم بعد احتلال القدس وتهديد مصر، فأصبح منع الاحتلال الصليبي لمصر مقدما على إسقاط الحكم الفاطمي فيها.
2. الموازنة بين السلطنة وسيادة الخلافة:
أدركت هذه المدرسة الفرق بين الدولة بوصفها أداة، والأمة بوصفها غاية. فدولة نور الدين وصلاح الدين، وقبلها دولتا السلاجقة والمرابطين، لم تكن مشاريع انفصالية بديلة عن الخلافة، بل أدوات لحماية الأمة. ولذلك حافظت على سيادة الخلافة العباسية بوصفها الرمز الجامع لوحدة المسلمين، ولم تنازعها الشرعية أو تؤسس خلافة موازية لها.
3. الإصلاح التدريجي داخل البيئات المعادية:
الميزة الأبرز في هذه المدرسة إحياؤها لمنهج نبي الله يوسف عليه السلام في الإصلاح السياسي التدريجي داخل البيئات المعادية. فعندما دخل صلاح الدين مصر، وهي مركز الدولة الشيعية الفاطمية، لم يلجأ إلى انقلاب فوري، بل اتبع مسارا إصلاحيا تدريجيا بالتعاون مع القاضي الفاضل وعدد من العلماء والإداريين، وأجاد إدارة الصراعات بين أجنحتها، بالتحالف مع بعضها ضد الآخر، حتى تولى الوزارة، وأعاد بناء مؤسسات الدولة وتوجيه الحياة الدينية والتعليمية، ودمج مصر تدريجيا في الفضاء السني، ثم انتهى الأمر بإلغاء الخلافة "الفاطمية" سنة 567هـ دون حرب أهلية واسعة.
4. وضوح الدعوة ومرونة السياسة:
مما يميز تلك المدرسة أنها قامت على معادلة دقيقة تجمع بين صلابة المعتقد ومرونة السياسية. فلم يتحول الوضوح العقدي إلى جمود سياسي أو العكس، بل سارت سياستها في المسارين بشكل متواز: البناء العلمي وحفظ الهوية، والمرونة العالية في إدارة التحالفات والصراعات، وترتيب الأولويات. وهو الجمع الذي تعثرت عنده كثير من الحركات في العصور المتأخرة.
إن قراءة هذه التجربة التاريخية اليوم، ليست مجرد ترف ثقافي، بل محاولة لاستخلاص الدروس في زمن تتشابه فيه التحديات. ثم هي كأي تجربة بشرية قابلة للاستلهام والنقد والتطوير عبر الزمن.