آخر تحديث :الأربعاء-11 مارس 2026-10:48م

قليلاً من المسئولية لهذا الشعب!

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 02:27 ص
عبداللطيف سالمين

بقلم: عبداللطيف سالمين
- ارشيف الكاتب


يضجّ الفيسبوك اليوم بعشرات رسائل التعازي لوفاة Hano Yasser ، كما قيل، بسبب مضاعفات حمى الملاريا التي أدخلتها قسم الإنعاش قبل أن تغادر الحياة. لا ننكر أن لكل روح قدرها، وأن الموت قدر من الله كما يؤمن كثير من أفراد المجتمع، لكن الله جعل اختياراتنا بأيدينا، وأعطانا الأسباب للحفاظ على الهبة الثمينة: الحياة. تلك الهبة التي، للأسف، لا تساوي شيئًا هنا؛ فكما يحدث في كثير من حالات الوفاة في بلادنا، يموت الناس لأسباب بدائية تجاوزها العالم منذ عقود طويلة.

عدوّي في كل مرة يموت فيها شخص، سواء كان عزيزًا عليّ أو لا أعرفه، هو الجهل والفساد، وعلى رأسهما منظومة صحية فاشلة ومتهالكة تقتل الناس بدل أن تعالجهم. لا أؤمن بالطب، بشكل عام، حين يُقدَّم بوصفه معجزة للشفاء أو وعدًا مطلقًا بالعلاج. أكثر ما يستطيع الطبيب أن يقدمه هو العناية وإدارة المرض، وهذا لا يحتاج معجزات ولا إمكانات خارقة؛ يكفي أن يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وقليل من الأمانة والمسؤولية والرحمة والشغف. عندها يصبح الطبيب، أو حتى المريض، شخصًا يقترب من القدسية، يؤدي واجبًا إنسانيًا ودورًا حيويًا، ومن خلاله تتجلى رحمة الله بالمرضى والمتعبين.

لم يعد بالإمكان السكوت على الوضع الصحي في عدن، في المقام الأول، وفي اليمن بأكمله. مافيا من الفساد تتغذى على جراح الناس، وعلى البسطاء منهم أكثر من غيرهم، تمتص مدخراتهم وصحتهم وكل شيء يملكونه. هنا تقتل المشافي أكثر مما تداوي. وخلال السنوات الماضية صادفت عشرات الحالات، وكتبت العديد من المواد الصحفية، وكان المجرم فيها غالبًا بصورة واحدة: إما مركز صحي مهمل، أو ذئب مرتزق يطلق على نفسه لقبًا هو أبعد ما يكون عنه.

شخصيًا، لطالما اكتويت من هذه المنظومة الصحية. لم أكن ذكيًا بما يكفي لأفلت من براثنها. كدت أفقد زوجتي قبل أعوام للسبب ذاته؛ أمر بسيط لا يتطلب سوى دقائق من العناية الطبية، لكنه تحوّل إلى أيام من الألم والعذاب، حتى أصبح بينها وبين الموت شعرة، لولا العناية الإلهية. ومنذ ذلك الحين يلازمني خوف دائم: ماذا لو حدث شيء لابنتي؟ ماذا سأفعل؟ ولهذا، ربما قيّدت جزءًا من طفولتها، محاولًا أن أبقيها في أفضل حال ممكنة، فقط كي لا تمرض، وكي لا تضطر إلى دخول هذه المشافي.

أما أنا، فقد قضيت سنوات أحاول التخلص من أعراض شيء اعتقدت أنه مزمن ولا شفاء منه، حتى قادني الحظ وبعض الناس الطيبين إلى طبيبة تستحق لقبها بحق. هي من القلائل الذين يشعر الإنسان بالخجل حين يكتب عن فساد المنظومة الصحية في وجودهم، لأن على أكتافهم تقع مسؤولية كبيرة. وكنت محظوظًا أيضًا بمعرفة عدد من الأصدقاء هم من خيرة الأطباء، ممتن لبعضهم لعنايتهم بي وبمن أحب في أوقات كثيرة. أذكرهم هنا حتى لا يقال إنني أحمل ضغينة تجاه الأطباء؛ وهي تهمة سمعتها كثيرًا كلما تحدثت في هذا الموضوع.

لكن الحقيقة أن في هذا الاعتراض قدرًا من النرجسية لدى بعضهم؛ فحتى الأطباء الأنظف والأكثر إخلاصًا، حين يصمتون عن عشرات من زملائهم ومديريهم الفاسدين، يصبحون – للأسف – شركاء في هذا الفساد والإجرام والقتل المنظم الذي نعيشه. وأنا نفسي لا أستثنيها من ذلك. في كل مرة هرعت إلى أحدهم، رغم معرفتي أنني أخاطر بصحتي ومالي، كنت أشارك – بطريقة ما – في دعم شخص أرى فيه ملامح الارتزاق والفساد، لكنني أعجز عن النأي بنفسي تمامًا.

الأمر معقّد، وقاسٍ إلى حد كبير. وربما هو عجز أيضًا. لكن لهذا وجدت الكتابة، ولهذا يفكر الإنسان. وأنا بدوري أفكر معكم، على أمل أن يصل صوتي، أو صوت العشرات ممن اكتووا بالنار نفسها، ولا حول لهم ولا قوة. لعل كلمة تُسمع، أو دعاء يصعد، أو لحظة صدق تأتي في ليلة من هذا الشهر، ليلة قد تكون ليلة القدر، فيستيقظ ضمير مسؤول ما، ويضع حدًا لهذه المهزلة.