لا يكمن خطر المناطقية في كونها مجرد انحياز جغرافي بسيط بل في تحولها إلى أيديولوجيا إقصائية تفتت الروابط الإنسانية وتحل محل الهوية الوطنية الجامعة رغم التشدق بالهوية الوطنية إنها المرض العضال الذي إذا ما استشرى في جسد المجتمع أحال التنوع الثقافي من مصدر ثراء إلى فتيل للصراع الدائم .
المناطقية تعمل كمشرط يمزق النسيج الاجتماعي فهي تبني جدرانًا من الريبة بين أبناء الوطن الواحد عندما تصبح المنطقة هي المعيار الوحيد للثقة والتعامل يسقط مفهوم المواطنة المتساوية وتتحول العلاقات الاجتماعية إلى تحالفات هشة مبنية على المصلحة الضيقة والولاء للجهة لا للقيم هذا التمترس الجغرافي يقتل روح المبادرة الجماعية ويجعل المجتمع عاجزاً عن مواجهة التحديات المشتركة .
من الناحية الإدارية والسياسية تمثل المناطقية العدو الأول لـ الشفافية والإصلاح المؤسسي فبمجرد أن يتسلل الفكر المناطقي إلى أروقة الدولة تتحول الوظيفة العامة من تكليف لخدمة الجميع إلى غنيمة تتقاسمها الجهات .
غياب الكفاءة يُستبدل الرجل المناسب بـ الرجل المنتمي للمنطقة مما يؤدي إلى ترهل إداري وفساد مؤسسي مقنن .
فقدان الثقة بالدولة عندما يشعر المواطن أن حقوقه مرتبطة بمسقط رأسه لا بكفاءته أو بكونه مواطناً يفقد إيمانه بمؤسسات الدولة ويبحث عن الحماية في انتماءات أضيق .
يقع على عاتق المثقفين والصحفيين دور محوري في التصدي لهذا الانحدار إن الترويج للخطاب المناطقي سواء كان صريحاً أو مغلفاً بوعود الحقوق هو بمثابة انتحار جماعي إن المسؤولية الأخلاقية تقتضي تعرية هذا الخطاب وكشف زيفه والتركيز على بناء دولة المؤسسات التي تحمي الجميع دون استثناء .
إن النجاة من فخ المناطقية تبدأ بوعي جمعي يدرك أن الاستقرار لا يتحقق بإقصاء الآخر بل بالقبول به كشريك كامل في الأرض والمصير إن النسيج الاجتماعي القوي هو ذلك الذي تنسجه خيوط العدالة والكفاءة لا خيوط العصبية والجهوية .