آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-07:42ص

بين مطرقة الإعلام المريض وسندان الوعي المتبلد من يكسر الدائرة ؟

الجمعة - 27 مارس 2026 - الساعة 03:55 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


نحن نعيش في العصر الأكثر ضجيجاً في تاريخ البشرية ومع ذلك يبدو أننا نمر بمرحلة من الصمم الفكري

الجماعي المفارقة اليوم هي أننا نملك أدوات المعرفة في جيوبنا لكننا نستخدمها غالباً لتعميق جهلنا أو لتخدير

وعينا هنا نجد أنفسنا أمام طرفي معادلة بائسة إعلام يبحث عن الأرقام على حساب القيم ومجتمع استمرأ

التسطيح حتى بات الوعي لديه عبئاً ثقيلاً .

الإعلام عندما يتحول الناقل إلى تاجر مخدرات

لم يعد الإعلام في كثير من منصاته سلطة رابعة خصوصا عندما دخلت عليه شلل منتحلة لصفة الإعلام وهم

مجرد دخلاء لا يفقهون في الإعلام شي لم تعد تلك السلطة كما كانت تراقب وتُقوم بل تحولت إلى سلطة لاهثة

خلف الـ (الخوارزمية) والـ (والترند) .

الإعلام المريض ليس ذاك الذي يخطئ في نقل خبر بل هو الذي يتعمد تزييف الأولويات .

حين تصبح فضيحة مشهور تافه او خبر سطحي يتصدر العناوين بينما تمر الكوارث الإنسانية أو القضايا

المصيرية او الانهيارات القيمية كخبر هامشي فنحن أمام إعلام يمارس التسميم الممنهج هذا النوع من الإعلام لا

يريد منك أن تفكر بل يريدك أن تنفعل لأن الانفعال يولد نقرات والنقرات تولد دولاراً ولو كان ذلك على حساب

عقل الأمة .

على الجانب الآخر لا يمكننا تبرئة المتلقي تماماً الوعي المجتمعي المتبلد هو النتيجة الطبيعية لتعاطي الوجبات

السريعة من المعلومات لسنوات طويلة لقد فقد المجتمع حاسة النقد وأصبح يستهلك ما يُقدم له دون تمحيص .

التبلد هنا ليس جهلاً بل هو أخطر إنه الاعتياد على القبح .

اعتدنا رؤية التفاهة تتصدر .

اعتدنا اختزال القضايا المعقدة في هاشتاغ سطحي .

اعتدنا أن يكون الصراخ هو وسيلة الحوار الوحيدة .

هذا التبلد حول المجتمع إلى قطيع رقمي يساق خلف أي قضية مفتعلة لتفريغ طاقات غاضبة دون أن يغير ذلك

من الواقع شيئاً .

السؤال الأزلي هل الإعلام هو الذي أفسد الذوق العام أم أن الجمهور هو الذي عطش للتفاهة فأجبر الإعلام على

تقديمها ؟

الحقيقة أنها علاقة طردية سامة الإعلام يقدم الإسفاف بحجة أن الجمهور عايز كده والجمهور يتابع الإسفاف

لأنه لم يعد يجد بديلاً جذاباً أو لأنه اعتاد على هذا المستوى من هرمون الأدرينالين الرخيص .

إن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بقرار حكومي أو بميثاق شرف إعلامي فحسب بل يبدأ بـ المقاطعة الواعية

باهمال صفحات التفاهة والاقلام التافهة .

على الإعلامي أن يدرك أن الترند زائل وأن الأثر الباقي هو ما يبني المجتمعات لا ما يهدمها .

على الفرد أن يمارس الحمية الرقمية لا تمنح وقتك لكل ناعق ولا تساهم في نشر التفاهة بحجة السخرية منها او

الرد الجاف عليها لاجل اسكلتها فانت هنا تروج لها وتدعم صاحبها فالمشاهدة في عالم اليوم والتعليق اياً كان

نوعه هي دعم مباشر .

الإعلام المريض لن يشفى ما دام يجد جمهوراً يصفق لمرضه والوعي المتبلد لن يستفيق إلا إذا صُدم بحقيقة أن

الجهل في عصر المعلومات هو خيار شخصي وليس قدراً مفروضاً .