آخر تحديث :الإثنين-30 مارس 2026-11:10م

أوروبا والماضي الذي يلاحق حاضرها

الإثنين - 30 مارس 2026 - الساعة 09:32 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خاضت روسيا القيصرية والإمبراطورية العثمانية حربين عسكريتين بارزتين؛ الأولى بين عامي 1853 و1856، والثانية بين عامي 1877 و1878. وفي كلتا الحربين، وقفت فرنسا وبريطانيا إلى جانب الدولة العثمانية، وساهمتا في منع انهيارها، انطلاقًا من هاجس استراتيجي يتمثل في الحفاظ على توازن القوة في أوروبا، ومنع روسيا القيصرية من تحقيق تفوق يتيح لها التمدد غربًا عبر السيطرة على إسطنبول ومضيق البوسفور. لقد كانت الإمبراطورية العثمانية، في ذلك السياق، تمثل “حائط الصد الأول” أمام الطموحات الروسية.

ومع بداية القرن العشرين، بدأت ملامح التحالفات الدولية تتغير، لا سيما مع نهاية الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن هزيمة دول المحور، ومن ضمنها الدولة العثمانية، مقابل انتصار تحالف فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وفي لحظة يمكن وصفها بقصر النظر الاستراتيجي، اندفعت القوى المنتصرة، وتحت تأثير نشوة النصر، إلى إعادة هندسة خريطة العالم، فتم تفكيك الدولة العثمانية، ورُسمت حدود جديدة لدول الشرق الأوسط، وتقاسمت فرنسا وبريطانيا النفوذ في تركة “الرجل المريض”، فيما عُرف لاحقًا باتفاقية سايكس بيكو.

ولم يتوقف الاندفاع الأوروبي عند هذا الحد، بل ذهب إلى مدى أبعد، خصوصًا مع قيام بريطانيا، ممثلة بوزير خارجيتها، بتوقيع ما عُرف بوعد بلفور، الذي تعهدت بموجبه حكومة التاج البريطاني بمنح اليهود أرضًا في فلسطين لإقامة دولتهم. وفي تلك اللحظة، لم يكن صانع القرار البريطاني يدرك أن القلم الذي وقّع به ذلك التعهد قد يكون، على المدى البعيد، أداة لحفر مأزق استراتيجي قد يهدد أوروبا نفسها.

وبالانتقال إلى الواقع السياسي والعسكري الراهن، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الحرب ألامريكية إلاسرائيلية مع إيران، وما نتج عن ذلك من تداعيات عسكرية واقتصادية انعكست بشكل مباشر على أسعار النفط والغاز، فضلًا عن ما يُنظر إليه كإهمال أمريكي لملف الحرب في أوكرانيا، تصاعدت المخاوف الغربية بشأن الأمن القومي الأوروبي. كل هذه التطورات وضعت أمن واقتصاد القارة العجوز في قلب عاصفة متشابكة من التحديات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما علاقة هذه المقدمة التاريخية بما يجري اليوم؟

للإجابة، لا بد من العودة إلى ذات السياق التاريخي. فعندما ساهمت أوروبا في إسقاط الدولة العثمانية، التي كانت تمثل تحديًا تكتيكيًا في مواجهة الطموحات الروسية، كانت البيئة الدولية تشهد دخول لاعب جديد إلى معادلة توازن القوى، وهو الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أسس هذا اللاعب لتحالف استراتيجي مع أوروبا، تكفل بتأمين القارة من التهديد الروسي، ما أدى إلى تراجع الحاجة الوظيفية للإمبراطورية العثمانية.

أما في الشرق الأوسط، فقد أُوكلت مهمة حماية المصالح الغربية، بدرجة كبيرة، إلى الكيان الصهيوني في فلسطين، بوصفه نقطة ارتكاز متقدمة في بيئة إقليمية مضطربة. وقد نجح هذا الترتيب، إلى حد بعيد، خلال القرن العشرين.

غير أن دخول الألفية الثالثة حمل معه تحولات عميقة، تمثلت في هيمنة أمريكية شبه مطلقة على المنطقة العربية، مقابل تراجع ملحوظ للدور الأوروبي، خصوصًا الفرنسي والبريطاني، وفقدانهما لما تبقى من نفوذ تاريخي. كما تم نقل مركز الثقل في إدارة التوازنات الإقليمية بشكل شبه كامل إلى واشنطن.

ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت ملفات ثقيلة، من بينها مواقف تجاه حلف الناتو، إضافة إلى انخراط في مقاربات ذات أبعاد أيديولوجية، يرى البعض أنها تأثرت بتوجهات دينية وسياسية متداخلة، ما جعله أكثر تقاطعًا مع سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة فيما يتعلق بدفع الولايات المتحدة نحو الانخراط في صراعات إقليمية، من بينها التصعيد مع إيران.

وفي هذا السياق، تأتي الحرب والمواجهة مع إيران كجزء من مشهد أوسع، أفرز تداعيات اقتصادية عالمية، كانت أوروبا من بين أكثر المتضررين منها. وقد انعكس ذلك في حالة القلق والتوتر التي بدت على قادة القارة العجوز خلال قمة وزراء خارجية الدول السبع المنعقدة في ضواحي العاصمة الفرنسية، حيث سعت هذه الدول إلى إقناع الولايات المتحدة بإعادة التركيز على التهديد الروسي، معتبرة أن موسكو تلعب دورًا في دعم صمود إيران، عبر تقديم تقنيات عسكرية ودعم لوجستي واستخباراتي، بما يمكنها من استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

ويأتي هذا الطرح في سياق محاولة أوروبية لاستعادة الدور الأمريكي في الساحة الدولية، وملء الفراغ الذي تركه تراجع الانخراط الأمريكي، والذي أسهم، من وجهة نظر أوروبية، في اختلال ميزان الصراع في الحرب الروسية الأوكرانية. ومع ذلك، تبدو الولايات المتحدة، في ظل قيادة ترامب، أقل استجابة لهذه الضغوط، ما يترك أوروبا أمام تحديات مفتوحة، قد تعيد طرح أسئلة قديمة بصيغ جديدة حول الأمن، والتحالفات، وتوازنات القوة في عالم سريع التغير.