الإعلام.. حين يفقد بوصلته الأخلاقية، يتحول من منارةٍ للوعي إلى أداةٍ للتضليل، ومن صوتٍ للحقيقة إلى صدىً للأكاذيب والدجل والتطبيل.
فليس كل ما يُبثُّ يُصدَّق، ولا كل من يعتلي المنابر أهلٌ للثقة، إذ بات في زماننا إعلامٌ دجّال، يتقن قلب الحقائق كما تُقلب الصفحات، ويُجيد تزييف
الوعي كما تُزيَّن الواجهات.
هذا الإعلام لا يكتفي بتضليل العقول، بل يسعى إلى إعادة تشكيلها، فيصنع من
اللصوص شرفاء، ومن الفاسدين أبطالاً، ومن الخيانة وجهة نظر، ومن العبث إنجازاً يُحتفى به.
إنه إعلامٌ يُلبس الباطل ثوب الحق، حتى يلتبس الأمر على العامة، ويختلط الصدق بالكذب، فلا يُعرف للحق طريق، ولا للعدالة ميزان.
وما أخطره حين يتسلل إلى وعي الناس بهدوء، فيزرع الشك في الثوابت، ويُسقِط القيم، ويُربّي الأجيال على قبول الزيف كأنه واقع مرير لا مفر منه.
عندها لا يكون الخطر في الكذبة نفسها، بل في تصديقها، ولا في الفاسد، بل في تلميعه حتى يُصبح قدوة.
لكن الحقيقة، وإن طال غيابها، لا تموت. والوعي، وإن حُورب، لا يُهزم. فالمجتمعات الحية هي التي تميز بين الإعلام الذي ينير العقول، والإعلام الذي يُعميها، وتدرك أن الكلمة أمانة، وأن القلم مسؤولية، وأن الصوت الذي لا ينحاز للحقيقة، إنما ينحاز للباطل وإن تجمّل.
وفي الختام، يبقى السؤال معلقاً في ضمير كل متابع :
هل نحن متلقّون سلبيون نُصفّق لكل ما يُعرض، أم أصحاب وعيٍ نُمحّص ونُدقّق ونرفض أن نكون ضحية إعلامٍ دجّال؟
فالحق لا يحتاج إلى تزييف، والباطل مهما تزيّن.. يظل باطلاً مهما طال الزمن.