في الوقت الذي تواجه فيه الأمة الإسلامية تحديات وجودية ومنعطفات تاريخية كبرى، يبرز التساؤل الملحّ حول الدور الذي لعبته التيارات المتشددة، وعلى رأسها "الوهابية"، في إضعاف البناء الداخلي للمسلمين.
فبينما كان يُفترض أن يكون الدين حبل اعتصام يجمع الشتات ويوحد الامة ، تحول - في أدبيات هذا الفكر الوهابي العقيم- إلى أداة للإقصاء، وسلاح يُشهر في وجه المخالفين من أبناء الملة الواحدة.
تحت شعارات براقة مثل"حمايةالتوحيد" و"محاربة البدع"، انطلقت هذه الحركة بفرض رؤية أحادية ضيقة للدين.
وبدلاً من توجيه الجهود نحو البناء الحضاري أو مواجهة الأخطار الخارجية، انصرفت السهام نحو صدور الموحدين.
وحولوا التوحيد من راية جامعة إلى ذريعة للتكفير.
وهكذا استُبيحت كرامة المسلمين وكُفروا "بالظن والجهل"، مما خلق حالة من الشرخ المجتمعي الذي لم يلتئم بعد.
*وبذلك حولوا الدين من روح تسري في جسد الأمة لتمنحه القوة والوحدة، إلى مجرد شكليات قاسية وطقوس جافة تخلو من الرحمة والاحتواء.*
ان المتأمل في التاريخ المعاصر يجد مفارقة عجيبة؛ فهذا التوجه الوهابي الذي يظهر بأساً شديداً على من سماهم بـ"المبتدعة" من المسلمين، غالباً ما يختفي أثره أو يتوارى خلف الفتاوى المهادنة عند مواجهة الأعداء الحقيقيين للأمة.
بل وتجاوز ذلك الى الافتاء بحماية القواعد الامريكية كواجب شرعي كما افتى به احد احبارهم المدعو عثمان الخميس في حرب اسرائيل ومن ورائها امريكا ضد ايران لهدا العام 2026م.
يرى مراقبون أن هذا الاصطفاف —سواء كان عن جهل أو بتخطيط مسبق— قد شكل دائماً "طعنة غادرة" في ظهر الوجود الاسلامي ووئد لظهور الإمة، حيث انشغلت الأمة بمعارك جانبية واهية بينما كان العدو ينهش في كيانها.
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن هذا الفكر الوهابي - المدخلي حديثاً- لم يُعرف يوماً بكونه سداً منيعاً أمام المطامع الخارجية، بل كان دوماً سلاحاً فعالاً لهدم الحصون من الداخل.
فباسم "حماية العقيدة"، ضاعت قضايا الأمة الكبرى وعلى راسها قضية فلسطين وتم استنزاف الطاقات في صراعات فقهية وفكرية عقيمة لا تخدم إلا من يريد تمزيق هذا الجسد وتشتيت شمله.
إن الأمة اليوم بحاجة ماسة إلى تجاوز هذا الإرث الجرثومي المتشدد، والعودة إلى جوهر الإسلام الصافي الذي يجمع ولا يفرق، ويصون الكرامة ولا يستبيحها.
إن استعادة وحدة الأمة تبدأ من كشف قناع هذه التوجهات المشبوهة التي أضاعت بوصلة الامة.
ويجب العمل على استبدال لغة التكفير بلغة التفكير، وشكليات التشدد بروح الوسطية والوحدة.
فقد أصبحت الامة بامس الحاجة إلى استعادة روح الدين الاسلامي التي اماتتها الحركة الوهابية المدخلية.