لم تكن المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد تصعيد عسكري محتمل، بقدر ما كانت ساحة مفتوحة لحرب نفسية صاخبة تصدّرها الرئيس الأمريكي بخطاب مرتفع السقف وتصريحات مثيرة للجدل على كافة وسائل الدعاية الاعلامية والاعلام، حاول من خلالها فرض معادلة ردع إعلامية تسبق أي تحرك ميداني، حيث اعتمد على الضغط اللفظي المكثف، والتلويح بالقوة، وتضخيم احتمالات المواجهة، مع تكثيف الاستهدافات العسكرية، في محاولة لإرباك الخصوم وتهيئة الرأي العام لفكرة حرب وشيكة. غير أن هذا الضجيج، رغم زخمه، لم يتحول إلى إنجاز عسكري ملموس، بل كشف فجوة واضحة بين سقف التهديدات وحدود الواقع.
كان الهدف من التصعيد خلق ضغط نفسي يدفع الأطراف الإقليمية إلى الاصطفاف وتشكيل تحالف واسع تحت مظلة المواجهة، وبيع وهم القوة الامريكية الضاربة القادرة عسكرياً وسياسياً واستخبراتياً تحقيق الاهداف باقل الخسائر، وأن ما حدث في فنزويلا سيتكرر في طهران، لكن هذه الحرب النفسية اصطدمت بحسابات أكثر تعقيداً، خصوصاً في الخليج، حيث اختارت دول المنطقة نهج الحذر المدروس بدلاً من الانجرار إلى ردود فعل متسرعة.
لم يكن هذا الحذر تراجعاً، بل صبراً استراتيجياً ومدروس، حافظ على التوازن ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، رغم الاستهداف الايراني السافر لدول المنطقة والهجمات المتكررة طيلة ايام الحرب، كما وضحت حسابات إسرائيل الرئيسية بقيادة نتنياهو ، التي رأت في التصعيد فرصة لإعادة تشكيل أولويات المنطقة. فإدخال الخليج في حرب مفتوحة كان سيؤدي إلى استنزاف الموارد وتعطيل مسار التنمية المتسارع الذي نقل دوله إلى مصاف الدول المتقدمة، وهو ما يعني عملياً عرقلة هذا الصعود الاقتصادي وإعادة المنطقة إلى دائرة التوتر وعدم الاستقرار.
هذا الموقف الخليجي المتقدم والواعي أربك حسابات واشنطن وتل أبيب، وأفشل محاولة تشكيل جبهة إقليمية واسعة تتحمل عبء المواجهة. وهنا بدأت ملامح التعثر، إذ فقدت الحرب الفعلية والمعنوية المتمثلة بالحرب النفسية أحد أهم نتائجها وعناصرها: التحالف الإقليمي. فقد أدركت دول الخليج أنها في قلب دائرة التآمر، وأن أي رد سريع قد يحول أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة، لذلك احتفظت بحق الرد دون منح التصعيد الغطاء الذي كان يبحث عنه.
في خضم التصعيد، جاءت حادثة إسقاط مقاتلة أمريكية داخل إيران، ثم إعلان واشنطن تنفيذ عملية إنقاذ معقدة لاستعادة الطيارين من عمق الأراضي الإيرانية. تحولت العملية سريعاً إلى مادة دعائية، جرى تسويقها باعتبارها إنجازاً استثنائياً، في وقت غابت فيه نتائج عسكرية حاسمة. هذا التركيز الإعلامي كشف انتقال الخطاب من الحديث عن أهداف استراتيجية كبرى إلى البحث عن انتصارات رمزية تُستخدم لرفع المعنويات وتعويض الفراغ الميداني.
في المقابل، كشفت تطورات أخرى حدود هذه الحرب النفسية بل وفشلها خصوصاً في الداخل الإيراني، حين خرج آلاف الإيرانيين لتشكيل سلاسل بشرية حول منشآت الطاقة والبنية التحتية. هذا المشهد حمل دلالات معاكسة تماماً للرواية التي تحدث عنها ترامب، عن أن الشعب الإيراني يتوسل التدخل الخارجي أو ينتظر إسقاط النظام. بل العكس فقد أظهر الشعب الإيراني اصطفافاً داخلياً لحماية المنشآت الحيوية، مما أضعف خطاب التصعيد، وأكد أن استهداف البنية التحتية سيعني مواجهة مجتمع كامل، لا مجرد نظام سياسي.
ومع فشل تحقيق تحقيق أهداف الحرب منها الحرب النفسية في التأثير، بدأ الخطاب الأمريكي يتراجع تدريجياً من سقف التهديدات الكبرى إلى مطالب محدودة، أبرزها ضمان استمرار الملاحة في مضيق هرمز، رغم أن الممر لم يُغلق فعلياً قبل التصعيد. هذا التحول كشف تقلص الطموح من تغيير قواعد اللعبة إلى الاكتفاء بضمانات تتعلق بواقع قائم، في محاولة للخروج بإنجاز سياسي محدود.
أخيرا تكشفت معادلة التصعيد:
ضجيج إعلامي واسع مقابل تعثر في تحقيق الأهداف. لم تتشكل جبهة للحرب، ولم تنخرط دول الخليج في المواجهة، ولم يتحقق الضغط المطلوب. بل إن الصبر الاستراتيجي الخليجي، القائم على الحذر والاحتفاظ بحق الرد، لعب دوراً محورياً في إفشال محاولات جر المنطقة إلى صراع بالوكالة، وحافظ في الوقت نفسه على مسار التنمية المتسارع.
في النهاية، نجحت الحرب النفسية في رفع مستوى التوتر، لكنها فشلت في فرض واقع جديد. تقلصت الأهداف، وتبدلت الأولويات، وانتهى التصعيد إلى تهدئة تمتد لأسبوعين وقد تطول دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب وعلى رأسها ازالة نظام الحكم في إيران وتدمير منشأت الطاقة وإنهاء الملف النووي والمقدرات العسكرية لإيران.
السؤال هنا:
هل إنتصرت إيران معنوياً على أمريكا واسرائيل رغم الخسائر المادية الكبيرة؟!
أم أن كلاهما فقد أهم ما يكملك؟!
أم ان النصر بمفهومه الحقيقي كان لدول الخليج ونأيها عن دخول الحرب؟!