آخر تحديث :الخميس-09 أبريل 2026-07:51م

‏إعادة هندسة الجنوب اليمني: قراءة في الخطاب الأمريكي الأخير

الخميس - 09 أبريل 2026 - الساعة 02:39 م
د. نادين الماوري

بقلم: د. نادين الماوري
- ارشيف الكاتب


‏في تصريح نشرته السفارة الأمريكية لدى اليمن بتاريخ 8 أبريل 2026، حول لقاء السفير الأمريكي مع أحد ممثلي الجالية اليمنية في الولايات المتحدة، جرى الحديث عما وصف بـ”الحوار الجنوبي المرتقب”، مع التأكيد على ضرورة أن يعكس هذا الحوار تمثيلًا واسعًا لمختلف المكونات، بما في ذلك السياسيين، والمجتمع المدني، والقبائل، والنساء، والشباب.


‏غير أن القراءة المتأنية لهذا الخطاب، في ضوء الأدبيات السياسية الأمريكية في إدارة النزاعات، تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد دعم “الشمولية” أو “التمثيل المتوازن”، ليدخل في إطار أوسع يمكن تسميته بـ”إعادة هندسة التمثيل السياسي” في الجنوب اليمني.


‏فالتأكيد على “التمثيل الواسع” لا يأتي في سياق تعزيز كيان سياسي موحد، بل على العكس، يعكس توجهًا نحو تفكيك أي مركز تمثيلي جامع، وإعادة توزيع الشرعية على طيف واسع من الفاعلين. هذا النمط من المقاربة يُستخدم عادة في البيئات الهشة، حيث يُراد تجنب صعود طرف مهيمن، عبر خلق توازنات متعددة تُبقي القرار موزعًا، وقابلًا للإدارة من الخارج.


‏ومن اللافت أن الخطاب الأمريكي لا يتطرق إلى مفاهيم سيادية مثل “تقرير المصير” أو “التمثيل السياسي الرسمي”، بل يركز على “الحوار” بوصفه إطارًا إجرائيًا. وهو ما يعكس تحولًا في التعاطي مع الجنوب، من كونه قضية سياسية ذات مطالب محددة، إلى كونه ملفًا تفاوضيًا يُدار ضمن تسوية أوسع، تخضع لحسابات إقليمية ودولية معقدة.


‏كما أن إدراج فئات مثل “النساء والشباب” و”المجتمع المدني” في قلب العملية التمثيلية، رغم أهميته من حيث المبدأ، يأتي هنا ضمن سياق إعادة تعريف مصادر الشرعية، بحيث لا تعود محصورة في الأطر السياسية التقليدية. وهذا التحول، وإن بدا تقدميًا في ظاهره، إلا أنه يُستخدم أحيانًا كأداة لتخفيف ثقل الفاعلين السياسيين المنظمين، وإدخال أطراف أقل تماسكًا، ما يسهل إعادة تشكيل المشهد.


‏أما اختيار منصة اللقاء، المتمثلة في مركز مجتمعي في المهجر، فيحمل دلالة إضافية تتعلق بتوسيع دائرة التأثير خارج الجغرافيا المحلية، وإشراك نخب غير تقليدية، قد تكون أكثر قابلية للانخراط في مقاربات دولية، وأقل ارتباطًا بتعقيدات الداخل.


‏إن مجمل هذه المؤشرات توحي بأن الجنوب اليمني يدخل مرحلة جديدة، لا تُدار فيها القضية عبر أدوات الصراع التقليدي، بل عبر آليات أكثر نعومة، تقوم على إعادة تعريف الفاعلين، وتفكيك مراكز القوة، وإعادة توزيع الأدوار ضمن إطار تفاوضي مرن.


‏وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المشاركة في هذه الحوارات من عدمها، بل في القدرة على قراءة خلفياتها، وفهم منطقها، وتحديد موقع الفاعل اليمني ضمنها: هل هو شريك في صياغة الحل، أم مجرد مكوّن ضمن معادلة تُدار من الخارج؟


‏في لحظات التحول الكبرى، لا تكون اللغة الدبلوماسية محايدة كما تبدو، بل تحمل في طياتها خرائط طريق غير معلنة. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الرسائل يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي السياسي، والقدرة على التمييز بين دعم التمثيل، وإعادة تشكيله.