آخر تحديث :الأحد-12 أبريل 2026-12:21ص

لماذا أصابت مصر في رفض مفاوضات بلا عرب ؟

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 06:16 م
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


أمام تغيرات دولية كبرى، وفي لحظات إقليمية فارقة، خرائط جديدة تُرسم، والعرب خارج الإطار .

تبدو التحركات الدبلوماسية الجارية وكأنها تعيد رسم خرائط النفوذ وتشكّل ملامح نظام جديد لا يعترف إلا بمن يفرض حضوره، قوةً ورؤيةً ومشروعًا .

وفي هذا السياق، يكتسب الموقف المصري الرافض لإجراء مفاوضات دون تمثيل عربي حقيقي أهمية خاصة، إذ يعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة تغييب العرب عن طاولة تُصاغ عليها ترتيبات المستقبل .

القاهرة، بثقلها السياسي والتاريخي، لم تنظر إلى هذه المفاوضات باعتبارها مجرد حوارات عابرة، بل بوصفها محطة تأسيسية ستنعكس نتائجها على توازنات الإقليم لعقود مقبلة . ومن هنا جاء رفضها لأي مسار يُقصي الدول العربية، لأن في ذلك إبعادًا مباشرًا لها عن التأثير في تسويات تمس أمنها ومصالحها الحيوية .

فالتاريخ القريب يثبت أن من يغيب عن لحظة التشكيل، يُفرض عليه لاحقًا ما لا يرغب به ولا يملك القدرة على تعديله .

إن ما يجري اليوم ليس مجرد تفاوض بين أطراف متباينة، بل عملية إعادة إنتاج للواقع السياسي وفق مصالح القوى الفاعلة .

وفي مثل هذه اللحظات، لا مكان للضعفاء أو المترددين، بل تُكتب القواعد بأيدي من يمتلكون أدوات التأثير .

وهذا ما يفسر القلق المتزايد من أن يؤدي استمرار الغياب العربي إلى تهميش المنطقة وإخراجها من معادلات التأثير، رغم كونها الأكثر تضررًا من مآلات هذه التحولات .

الخطورة لا تكمن فقط في الغياب عن الطاولة، بل في ما قد يترتب عليه من إعادة تعريف لمفاهيم السيادة والاستقلال داخل بعض الدول العربية .

فدول مثل الكويت ولبنان وقطر والإمارات والبحرين والأردن قد تجد نفسها، في ظل نظام إقليمي جديد، عرضة لضغوط تتجاوز قدرتها على المناورة، خصوصًا في ظل غياب مظلة ردع عربية مشتركة تحمي مصالحها وتوازناتها وقد تجد نفسها في لحظة ما ضحية نظام جديد لا يرحم الضعفاء .

وفي هذا المشهد المعقد، تبرز مصر كدولة تدرك أن قوتها لا تعفيها من مخاطر العزلة إذا ما استمر التفكك العربي، لا تستبعد مصر تلك اللحظة التي تجد فيها أنها صارت محاصرة ومحصورة .

فرغم ما تمتلكه من عناصر القوة، فإن أي سيناريو إقليمي يقوم على تفتيت مراكز الثقل سيجعل حتى الدول الكبرى عرضة لمحاولات الاحتواء أو الاستفراد .

أما السعودية، وعلى الرغم من مكانتها الاستراتيجية، فتواجه تحديًا من نوع آخر يتمثل في الحاجة إلى قرار سيادي أكثر استقلالًا وحسمًا .

فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالإمكانات، بل بقدرة الدولة على توظيفها ضمن رؤية واضحة ومستقلة .

ويبدو أن السعودية قد أدركت ولو متأخرة من خلال تجاربها، أن الارتباطات المعقدة قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى عناصر إضعاف بدلًا من أن تكون مصادر دعم .

في المحصلة، تبدو الأزمة العربية أعمق من مجرد غياب عن مفاوضات أو تراجع في الحضور السياسي .

إنها أزمة مشروع غائب، ورؤية غير مكتملة، وإرادة لم تتبلور بعد في إطار جماعي قادر على فرض نفسه في عالم لا ينتظر المتأخرين .

فالتاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالفعل، ولا يحفظ مكانًا إلا لمن يدرك لحظته ويستثمرها .

إن ما وصل إليه العالم العربي اليوم ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات من التنازلات وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، إلى جانب ضعف الاستثمار في البحث والتفكير العميق .

ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة، وإن ضاقت الأمور، وتعقدت الأحداث، لإعادة بناء موقف عربي يستند إلى البراغماتية والتكامل، ويعيد للعرب صوتهم في معادلة تتشكل، سواء حضروا أم غابوا، فاللحظة لا تحتمل التردد، والتاريخ لا يرحم الغائبين .