في البدء، لم تكن المسألة في اليمن مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى مأساة حقيقية حين دخلت الجماعة المسلحة إلى قلب العاصمة صنعاء، وقلبت كل شيء فيها رأساً على عقب.
كانت الدولة، مهما كانت هشة، تمثل إطاراً جامعاً، وقانوناً يسري على الجميع، ومؤسسات يرتادها المواطن لقضاء حاجاته. لكن بعد ذلك اليوم، تغير كل شيء. لم تعد الوزارات تعمل وفق أنظمتها، بل صارت خاضعة لإملاءات "المشرف" الذي لا يُعرف بكفاءته، بل بولائه فقط. أصبح القرار الصادر من دائرة مغلقة هو الفيصل، والمعيار ليس الخبرة أو القانون، بل الانتماء الحصري للجماعة.
القانون الذي يفترض أن يحمي الجميع، تحول إلى سيف يُسلط على الخصوم ودرع يُحمى به الأتباع. الوظيفة العامة، التي كانت وسيلة للعيش الكريم، صارت غنيمة ومكافأة. اختلطت المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة، وضاعت الحدود بين الدولة والجماعة.
أما الحوار، ذلك السبيل النبيل لحل الأزمات، فقد تعرض للخنق. فالحوار يحتاج إلى أطراف متكافئة، ومساحة من الثقة، واعتراف متبادل. لكن منطق القوة يصنع واقعاً مختلفاً: طرف يأمر، وآخر يذعن. وهكذا تحول الحوار من أداة للتوصل إلى حلول، إلى مجرد غطاء إعلامي لتكريس الأمر الواقع وتجميله.
على المستوى الاقتصادي، انعكست هذه الحال على حياة الناس بمرارة. توقفت الرواتب عن مئات الآلاف من الأسر، وتراجعت فرص العمل، وفر الاستثمار من البلاد. المواطن البسيط، الذي لا يريد سوى كهرباء تضيء منزله، وراتب يؤمن مستقبل أطفاله، ومدرسة ومستشفى يعتمدان عليهما، وجد نفسه محاصراً بأزمات متراكمة لا قبل له بها.
الأدهى من ذلك أن تفتيت الدولة لا يضر الخصوم وحدهم، بل يمزق نسيج المجتمع بأسره. غياب الدولة يعني غياب المرجعية الجامعة، وانتشار السلاح، وتفشي الانقسامات، وتآكل الثقة بين الناس، حتى أصبح الجار يخشى جاره.
اليمن، في خلاصة القول، لا يحتاج إلى جماعة تنتصر على جماعة، ولا إلى طرف يلغي طرفاً. اليمن يحتاج إلى دولة حقيقية، يكون فيها السلاح حكراً على المؤسسات، والقرار صادراً عن القانون، والحوار سيد الموقف، والمواطن فوق كل المصالح الضيقة.
وفي النهاية، أي مشروع يهدم الدولة لن يستطيع أن يبني وطناً. فالوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالعدل. ولا يستقر بالخوف، بل بالشراكة الصادقة بين جميع أبنائه.