التاريخ لا يرحم، لكنه أيضًا لا يكرر نفسه حرفيًا، وبين سرديات الهزيمة الحتمية والنصر المؤكد، تضيع أحيانًا حقيقة أكثر تعقيدًا .. أن بعض الحروب لا تُحسم، بل تتحول إلى اختبار طويل لقدرة الأطراف على الصمود .
لا هزيمة كاملة ولا انتصار حاسم .. من هذا المنطلق، يمكن قراءة المشهد الحالي لا كقصة انتصار أمريكي، ولا كهزيمة إيرانية، بل كحالة استنزاف متبادل تكشف حدود القوة لدى الطرفين .
فحين تُدار الحروب بقرارات متسرعة أو حسابات ضيقة، تصبح النتائج مفتوحة على كل الاحتمالات .
كما أن الجدل حول سياسات دونالد ترامب يعكس انقسامًا داخليًا عميقًا، ويطرح تساؤلات حول طبيعة إدارة الأزمات الكبرى، فالدول العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على بدء الحروب، بل بقدرتها على إنهائها .
وتُظهِر تجربة حرب فيتنام أن التفوق العسكري لا يكفي لتحقيق النصر، فحين تغيب الرؤية السياسية، تتحول الحرب إلى استنزاف طويل، يُضعف الداخل ويُربك الخارج .
هذا الدرس لا يزال حاضرًا في أي صراع معقّد، حيث لا يمكن فرض الحسم بالقوة وحدها .
والتاريخ مليء بأمثلة قوى عظمى تعثرت حين استهانت بخصومها، ففي حرب الاستقلال الأمريكية، لم تتمكن بريطانيا من حسم المعركة رغم تفوقها، وفتح ذلك الباب أمام تدخلات خارجية قلبت الموازين .
اليوم، يخشى البعض من سيناريو مشابه، حيث يؤدي طول أمد الصراع إلى توسيعه وتعقيده .
القوة الأمريكية تستند إلى اقتصاد ضخم ونفوذ مالي عالمي، لكن الحروب الطويلة تظل عبئًا مكلفًا .
وأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز، قد ينعكس على الاقتصاد العالمي، ويجعل كلفة الصراع أعلى من مكاسبه .
المجتمع الأمريكي، بطبيعته، لا يميل إلى تحمل حروب طويلة ومكلفة، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، يتحول الرأي العام إلى عامل مؤثر في توجيه القرار السياسي، ما يحدّ من قدرة صانع القرار على الاستمرار في صراعات مفتوحة .
في المقابل، تمتلك إيران عناصر صمود مهمة، أبرزها موقعها الجغرافي، وامتدادها الإقليمي، وقدرتها على إدارة صراع طويل بأدوات غير تقليدية .
فالحروب التي تُخاض على أرض قريبة تختلف جذريًا عن تلك التي تُدار من مسافات بعيدة .
لم تعد الحروب تُخاض في الميدان فقط، بل في الإعلام والسياسة الدولية، أي صراع يُنظر إليه على أنه غير مبرر قد يضعف موقف الدولة سياسيًا، ويزيد من عزلتها، حتى لو حافظت على تفوقها العسكري .
ولا يمكن إنكار أن إيران تكبدت خسائر كبيرة، سواء في بنيتها التحتية أو كوادرها أو اقتصادها، لكنها، في المقابل، لم تنهَر ولم تُهزم .
وعلى الجانب الآخر، لم تحقق الولايات المتحدة نصرًا حاسمًا، بل وجدت نفسها أمام صراع مفتوح، تتآكل فيه سرعة الحسم وهيبة الردع .
كما أن العودة إلى طاولة التفاوض لا تعني دائمًا انتصار طرف على آخر، بل قد تعكس وصول الصراع إلى طريق مسدود .
فحين تصبح الخيارات العسكرية محدودة الجدوى، يتحول الحوار إلى ضرورة، لا إلى دليل تفوق .
ما يكشفه هذا المشهد هو حقيقة بسيطة ومعقدة في آن واحد .. إيران لم تُهزم، والولايات المتحدة لم تنتصر .
إنه صراع يُظهر أن القوة، مهما بلغت، ليست ضمانًا للحسم، وأن الحروب الطويلة قد تُضعف الجميع، وإن بدرجات متفاوتة . فالهزيمة هنا ليست لحظة سقوط، بل تآكل تدريجي، والنصر ليس إعلانًا نهائيًا، بل قدرة على تجنب الغرق في حرب بلا نهاية .
فهل هزمت ايران، وهل انتصرت أمريكا،
أعتقد أنه لا هزمت إيران ولا انتصرت أمريكا،
أمريكا بخسارتها المعنوية، فقدت هيبة الردع وسرعة الحسم، كما فقدت أيضا السيطرة والتحكم على نقطة النهاية .
وإيران دفعت أثماناً باهظة، وخسائر فادحة في جميع المجالات، وتعرضت لأقوى ضربة في تاريخها المعاصر والحديث .
وفي عالم كهذا، قد يكون السؤال الأهم ليس .. من ربح ؟
بل .. من خسر أقل .. ومن يستطيع الصمود أكثر ؟