يشكّل الموقع الجغرافي لليمن أحد أكثر المواقع حساسية في العالم من منظور الأمن البحري؛ إذ يطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويجاور واحدًا من أهم الممرات الاستراتيجية العالمية (مضيق باب المندب) والذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، لكن هذا الموقع في الوقت ذاته يضع اليمن في قلب تنافس إقليمي ودولي متصاعد، ويجعله عرضة لتحديات أمنية مركبة تمس الأمن الوطني والإقليمي والعالمي وتنعكس فورًا على كل الدول المشاطئة للبحر الأحمر. وعند الحديث عن سياق الأمن البحري اليمني، فإن الأمن البحري اليمني لا يقتصر على حماية السواحل، بل يشمل ضمان حرية الملاحة، وتأمين التجارة الدولية، ومنع التهريب والإرهاب البحري، ومكافحة القرصنة والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وحماية البيئة البحرية، ومنع الهجرة غير النظامية. كما يرتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي الإقليمي، إذ إن أي اضطراب في الممرات الحيوية التي تطل عليها اليمن ينعكس فورًا على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية. ويلفت المجال البحري اليمني الانتباه إلى مجموعة واسعة من التحديات الحقيقية وأبرزها:
1_ التحديات البنيوية والمؤسسية واللوجستية
على المستوى الفني والمادي، أفرز الصراع الممتد في اليمن، عقب انقلاب جماعة الحوثي، تحديات عميقة أثرت في قدرات إنفاذ القانون البحري اليمني، وفي مقدمتها ضعف البنية المؤسسية لقوات خفر السواحل اليمنية وعجز الموازنة التشغيلية وشلل في الأصول البحرية وتضرر منظومات الرصد والرقابة الساحليه على المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الأمر الذي خلق فراغًا أمنيًا استغلته شبكات التهريب المنظم والجماعات المسلحة. وأما على مستوى بناء القدرات البشرية، فبناء القدرات لا يزال صغيرًا نسبيًا مقارنة بطول الساحل اليمني وحجم التحديات الكبيرة الملقاة على خفر السواحل. فالقوة البشرية الحالية تعاني من نقص في العدد والتدريبات وخصوصًا تدريبات البحث والانقاذ والصعود والاعتراض وعمليات التحقيق البحري والكشف عن المواد ذات الاستخدام المزدوج، وتقتصر أنشطة التدريب الحالية عادة على بعض التدريبات الداخلية تحت مظلة مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أو على دعوة منتسبي المصلحة إلى التدريبات التي تعقد في بلدان ثالثة مما يزيد بشكل كبير من التكلفة بسبب التحديات اللوجستية.
على المستوى التنظيمي، أدت الضائقة المالية التي تمر بها الحكومة الشرعية اليمنية إلى اضطراب صرف الرواتب حيث يتأخر صرف الرواتب بين شهرين وأربعة أشهر رغم أن الراتب الشهري للجندي في خفر السواحل يتراوح بين 60,000 و90,000 ريال يمنى، اي من (100) إلى 200 ريال سعودي، وفي حين يتأخر صرف الرواتب بين شهرين وأربعة أشهر وكذلك ضعف الحوافز، ما أثر على الروح المعنوية. كما أن تداخل الصلاحيات بين قوى عسكرية مختلفة على طول الساحل البالغ نحو 2500 كم أوجد إرباكًا في القيادة والسيطرة.
2_ تحديات فشل الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة التهريب وتعطيل سلسلة إمداد الحوثيين: فرغم تعدد المبادرات الدولية لمكافحة التهريب، إلا أن الجهود اتسمت بالتجزئة وعدم الاتساق الاستراتيجي. فبعض العمليات ركزت على اعتراض السفن المنطلقة من إيران، بينما أُهملت مسارات التهريب الثانوية داخل اليمن وحوله. وبعد تصاعد الهجمات البحرية في أواخر 2023م، تحولت أولويات بعض القوى الدولية إلى حماية السفن التجارية أكثر من تعطيل شبكات الإمداد نفسها. وتحول جماعة الحوثي الإرهابية من استخدام نمط المهربين إلى نمط سلاسل وقنوات الإمدادات والتوريد الهجينة والمعقدة ومن متلقٍ سلبي للأسلحة إلى الإشراف على تجميعها ثم تصنيعها عسكريًا في الداخل وتتمثل هذه القنوات في:
أـ تغير مسارات الشحن المباشر من إيران إلى الشحن العابر في القرن الإفريقي (جيبوتي، السودان والصومال).
ب ــ الشحنات التجارية الدولية (السفن التجارية) القادمة من موانئ دول آسيوية وغربية (الصين، ماليزيا، الإمارات روسيا وأمريكا) لتوصيل المواد الخام والمكونات ومعدات التصنيع الحيوية للحوثيين عبر قناة ثالثة تربط الحدود البرية بالأسواق اليمنية (جمرك الصين وماليزيا وأمريكا والإمارات - جمرك عمان (منفد شحن وصرفيت) إلى اليمن.
3ــ تحديات المزج بين التجارة المشروعة وغير المشروعة، ويشمل ثلاثة أجزاء:
1ــ يستفاد من ثغرات القوانين الوطنية لبعض الدول التي لا تفرض قيودًا على مكونات إلكترونية صغيرة أو مواد ذات استخدام مزدوج في إنه يجعل من السهل على الكيانات التجارية استيرادها ثم ترتيب نقلها إلى اليمن ومن ثم توظيفها عسكريًا.
2ــ سفن الظل (ناقلات النفط) الخاضعة للعقوبات الدولية الداخلة إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى واستغلالها كوسيلة غسيل أموال.
3 اقتران ظاهرة القرصنة وأنشطة التهريب عبر قوارب الصيد التي تستخدم في التغطية على أنشطة إجرامية أخرى مثل نقل المخدرات والأسلحة وتزويد السفن العاملة في أنشطة التهريب بالوقود وتهريب المهاجرين غير الشرعيين ونقل المواد الكيماوية المهربة من الخارج لتصنيع المتفجرات ووقود الصواريخ. إن تداخل الجريمة المنظمة مع أنشطة بحرية مشروعة يزيد من تعقيد المشهد، ويستلزم مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.
4ــ تحديات الإرهاب البحري وتوظيف القوى لتكتيكات المناطق الرمادية لتحقيق أهداف سياسية أو تعزيز سيطرتها على مناطق بحرية: وأبرز مثال هو توظيف إيران للحوثيين كوكيل مسلح في البحر الأحمر و الحرس الثوري في مضيق هرمز حيث أدركت إيران مبكرًا أن من يسيطر على الملاحة في مضيق هرمز و مضيق باب المندب يتحكم في السياسة البحرية العالمية من المنظور الاقتصادي في الخليج العربي ومنطقة البحر الأحمر وخليج عدن ويكون له وسيلة الضغط العليا في التحديات والأحداث والصراعات الجيوسياسية. وآخرها إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز في1 مارس من هذا العام واستهداف ناقلتي نفط بالقرب من المياه الإقليمية العمانية.
5ــ تحديات تغير قواعد الاشتباك: وتتعدد الأمثلة في هذا الجانب من إطلاق الصواريخ المضادة للسفن والزوارق المفخخة والطيران المسير على السفن التجارية وإغراقها، إضافة إلى تحديات حجز البحارة كرهائن. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل مسارات الشحن، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.
6ـــ تحديات تراجع الصيد المشروع بسبب الصيد الجائر في المنطقة الاقتصادية اليمنية من قبل سفن أجنبية وهذا التحدي ترك تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي نظراً لاعتماد شريحة كبيرة من السكان على مهنة الصيد البحري، ومن ثم ترتب على نقص الموارد السمكية انعكاسات سلبية على الأمن البحري الإقليمي، حيث إن تراجع الأسماك في سواحل دولة يدفع مراكب الصيد التابعة لها للصيد بالقرب من سواحل الدول المجاورة.
7ــ تحديات ضعف برنامج وآلية مراقبة السفن التابعة للأمم المتحدة (UNVIM) لأنها لا تردع كل عمليات التهريب الممنهجة ولا تملك سلطة إنفاذ خاصة و لا تتواكب مع تغير أنماط التهريب واعتماد إيران والحوثيين على مسار السفن الخشبية التي لا تخضع للتفتيش في ميناء جيبوتي وارتكاز منهجية التهريب على الروابط المفقودة وهي شركات شحن مقرها في جيبوتي والإمارات وعُمان وإيران توفر غطاءً تجاريًا للشحنات الحساسة عبر رجال أعمال محليون ويمنيون مقيمون في الشرق الأوسط و القرن الإفريقي موالون لجماعة الحوثي واختلاط الشحنات مع بضائع مشروعة كالمواد الغذائية تنقل مباشرة إلى الموانئ اليمنية الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية قادمة من موانئ إريتريا وجيبوتي والسودان (بورتسودان وسواكن المجاورة) .
8 ــ تحديات استباحة بعض الدول الإقليمية السواحل اليمنية وممرات خليج عدن والبحر الأحمر وتأثير دخول أدوات صراع جديدة:
إن وجود قوى إقليمية قبالة السواحل اليمنية تحت ذرائع مختلفة (حماية الملاحة، مكافحة الإرهاب، أو دعم أطراف محلية) أوجد واقعًا من تعدد السلطات البحرية وأضعف مفهوم السيادة البحرية الوطنية، وأدى إلى تآكل قدرات خفر السواحل اليمنية على ضبط المجال البحري. كما أن تأثير دخول أدوات صراع جديدة منها المسيرات الجوية والبحرية والهجمات الصاروخية عن بعد والقرصنة على المسرح البحري اليمني قد منح التنظيمات الإرهابية كجماعة الحوثي الفرصة لتحقيق أهدافها الواسعة. فأدوات الصراع الجديدة كالمسيرات تنفذ هجماتها من دون الحاجة إلى عنصر بشري، وتوفر كثيراً من الجهد والمال وتتمثل أخطارها في سرعة تعطيل البنية التحتية كالمطارات ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات والهجوم على تجمعات بشرية (مدنية وعسكرية)، واستغلالها كأداة للمراقبة. والأخطر من ذلك أن دور هذه الجماعة الإرهابية بدأ يتضخم نتيجة لتأثير هذه الأدوات، مما يزيد من طموحها المتمثل في تهديد الداخل والخارج من أجل فرض أي نوع من التغيير السياسي أو تلبية مطالبها من أي نوع مستقبلا. وإن ذهاب جماعة الحوثي الإرهابية إلى جعل الطائرات المسيرة وصناعتها ضمن استراتيجيتها لتحقيق نفوذ ومكانة دوليتين قد نمى وأصبح ذراعاً مهماً لتوجيه ضربتها وهجماتها الإرهابية عبر المسيرات والزوارق المسيرة على السفن التجارية وإلى كل من يقف عائقاً أمام مشروعها الايديولوجي. والأخطر من ذلك إمكانية توسع استخدامهما في توزيع مواد كيماوية أو أسلحة بيولوجية مستقبلًا. وإضافة إلى ذلك، فإن زرع أدوات تجسس واستشعار بحري: سواء عبر مجسات تحت مائية أو سفن أبحاث ذات أغراض مزدوجة، قد أضر بسلامة الملاحة وعزز سباق النفوذ.
إن تأثيرات هذه الأدوات على الأمن الوطني والإقليمي والعالمي قد تمثل في تقويض السيادة البحرية، خسائر اقتصادية (الصيد، الموانئ، الطاقة)وتصعيد المخاطر البيئية عبر تسريب الوقود وإغراق السفن التجارية وتسرب النفط وتدمير الشعب المرجانية والحياة البحرية، وتراجع ثقة المستثمرين على المستوى الوطني، وتصاعد سباق التسلح البحري، والاستقطاب السياسي الحاد بين القوى المتشاطئة وفتح ساحات صراع مفتوحة وتدويل الممرات البحرية وإضعاف سيادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر على المستوى الإقليمي واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والشحن على المستوى العالمي ما ينعكس على أسعار السلع والطاقة عالميًا.
9 ـــ التحديات والمخاطر السيبرانية
يبرز هذا التحدي الخطير في مرحلة جديدة أصبحت الجغرافيا غير المرئية هي من تحدد من يتحكم بالاقتصاد الرقمي، وأسواقه المالية، وجيوشه، ومؤسساته الأمنية، وأصبحت قوة الدول لا تقاس بعدد الحشود أو حجم الأساطيل، بل بقدرتها على حماية الخيوط التي تعبر المحيطات وتحمل نبض النظام الدولي. وقد اتسمت الكابلات بأهمية كبيرة في البحر الأحمر حولته إلى نقطة اختناق تربط بين آسيا وأوروبا مما جعل الكابلات هدفًا استراتيجيًا للجماعات الإرهابية يهدد استمرارية الاتصالات الدولية بين الشرق والغرب. وأبرز مخاطر وتحديات البنية التحتية السيبرانية والجيوسياسية في البحر الأحمر وهي:
1 ـــ التجسس والتخريب الهجين عبر استهداف البنى التحتية تحت المائية للتجسس على البيانات العابرة وسواء كان التخريب من أعمال النهب أو هجوم مدبر من قِبَل طرف معين ، فإنه يعتبر ضمن الحروب غير التقليدية الحديثة.
2 ـــ التأثيرات الاقتصادية: وإن تضرر هذه الكابلات يؤثر سلبًا وبطريقة مباشرة على البنوك والشركات والحكومات والأفراد، والتجارة الإلكترونية، وسلاسل التوريد والاتصالات والمعاملات المالية والوصول إلى المعلومات وخصوصاً في منطقة شديدة الحساسية كمنطقة البحر الأحمر. ويذكر على سبيل المثال إنه في مارس من العام 2025م، تسببت مرساة سفينة الشحن "روبيمار" في قطع ثلاثة كابلات إنترنت في البحر الأحمر بعد تعرُّضها لصاروخ أطلقته الميليشيات الحوثية عليها عندما اضطر بحارتها لرمي المرساة ومغادرة السفينة.
حلول الأمن البحري الوطني اليمني والإقليمي والعالمي:
حتى ينجح نموذج المعالجة النموذجي للأمن البحري اليمني والإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي ويقوم بوظائفه تجاه الإقليم ويحقق أهدافه والتي يأتي على رأسها تحقيق الاستقرار والأمن بين دول المنطقة يتوجب تحقيق التالي:
1ــ دعم وإعادة تطوير قدرات خفر السواحل من خلال التسريع في دعم مخرجات مؤتمر شراكة الأمن البحري اليمني المنعقد في الرياض في سبتمبر 2025م، لتنفيذ استراتيجية خفر السواحل اليمنية التي تهدف إلى مكافحة التهريب والبحث والانقاذ والاستجابة للحوادث التي تهدد سلامة الأرواح في البحر والاستجابة للحوادث البيئية التي تهدد موارد في البحر وتأمين وحماية الحركة المشروعة للأشخاص والسلع والخدمات عن طريق البحر ومنع وردع وتعطيل الوصول الغير مشروع إلى البحر.
2 ــ دعم وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني لدى الدول المطلة على البحر الأحمر مثل الحالة الصومالية واليمنية. فلا يمكن تحقيق أمن بحري مستدام دون معالجة جذور عدم الاستقرار في اليمن والصومال، لأن هذه الفراغات السياسية تُستغل وتوظف دائمًا من قِبل قوى إقليمية مثل إيران لتحقيق مصالحها في ضوء صراعاتها مع قوى إقليمية ودولية كالمملكة العربية السعودية وإٍسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
3ــ تفعيل آليات العمل المشترك معاهدة (الدفاع المشترك) لدى جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي (معاهدة عدم الاعتداء والدفاع المشترك للاتحاد الإفريقي) بحكم مصلحة المنظمتين في تحقيق الأمن البحري في المنطقة.
4– تبني نموذجًا إقليميًا ومفهومًا واسعًا للدولة البحر أحمرية بحيث يشمل الدول ذات المصالح القائمة في البحر الأحمر، وإن كانت لا تطل عليه مباشرة. فالخصائص الجغرافية والجيوسياسية للممرات الملاحية للبحر الأحمر وخليج عدن تجعل التنسيق مع الأطراف ذات المصلحة، سواء المطلة عليها بصفة مباشرة أو خارج نطاقها الجغرافي من أسباب نجاح الأمن البحري.
5ـــ إعادة التفكير في جهود المراقبة: فبدلاً من السعي إلى تعزيز قدرات آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش والمراقبة، سيكون من الأفضل تطبيق نظام مُعزز للتحقق والتفتيش في مناطق البحر الأحمر ضمن شكل من أشكال التحالف العربي والإفريقي متعدد الجنسيات لا يقتصر فقط على السفن التجارية بل يمتد ليشمل كل أنواع السفن الخشبية والقوارب الصغيرة والتركيز على نقاط الاختناق الحرجة، والتي تشمل مضيق باب المندب ومعابر شحن وصرفيت الحدودية مع موانئ عُمان مع التركيز أكثر على ميناء جيبوتي.
رؤية قيادة مصلحة خفر السواحل
تستند رؤية قيادة مصلحة خفر السواحل اليمنية فيما يخص الأمن البحري إلى ثلاثة مسارات استراتيجية مرتبطة لانفصالها سعيًا لتحقيق الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي والدولي وتقليل حدة الاستقطاب والتدخل الخارجي وهي:
1ــ مسار البعد السياسي والأمني (الردع الذاتي) عبر دعم جهود الحكومة الشرعية في فرض سيادة اليمن البحرية ومنع التدخلات الخارجية وترتكز هذه السياسة على الردع وليس سياسة احتواء الإرهابيين والذي نوه إليه فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ الأخير للأمن الدولي ويتمثل هذا المسار على وجه الخصوص في تمكين خفر السواحل من تنفيذ استراتيجيتها الأمنية البحرية ودعم مخرجات مؤتمر شراكة الأمن البحري اليمني المنعقد في الرياض في سبتمبر 2025م.
2ــ إعادة تقييم وتفعيل التجارب السابقة لدول المنطقة لإقامة أطر ونظم أمنية في البحر الأحمر وخليج عدن باعتبار أن أمن البحر الأحمر يقع تحت مسؤولية الدول العربية المطلة عليه. وتأتي أهمية هذا المسار بعد أن ثبت تاريخيًّا أن السياسات المختلفة المتخذة من قبل دول المنطقة لم ترتق في مواقفها إلى مستوى المخاطر التي تتعرض لها هذه الممرات الاستراتيجية.
3ــ مسار المقاربة الشاملة ويتضمن الدعوة إلى مقاربة إقليمية ودولية جديدة وشاملة لتحقيق الاستقرار والأمن المستدام للملاحة والممرات المائية من خلال تبني فهم واسع للأمن البحري يشمل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والبيئية، مع تبني قرارات سياسية على مستوى عال تتضمن تنفيذًا جماعيًا غير مجزأ.
إن هذه الرؤية والتوصيات المنطقية، حتى وإن كانت مكلفة ماليًا، وربما سياسيًا تأتي مع تحذيرين مهمين: أولًا، لن تنجح مبادرات مكافحة التهريب والتصدي لتحديات الأمن البحري إذا طُبقت بشكل مجزأ. ثانيًا، وبشكل مرتبط، لن تنجح إلا إذا تم تبنيها على مستوى سياسي رفيع وبشكل جماعي. فنجاح الحوثيين بتوسيع نفوذهم وحضورهم اللوجستي عبر خطوط المواجهة في اليمن يشير إلى أن استراتيجيات الاحتواء الإقليمي التقليدية أصبحت غير فعالة بشكل متزايد، فقد أمضى الحوثيون السنوات الأربع منذ هدنة 2022م، في بناء ليس فقط ترسانتهم من الأسلحة المتقدمة، بل أيضًا ترسانتهم من الأسلحة الصغيرة التقليدية، مما يرجح كفة ميزان القوى على الأرض لصالحهم في حال اندلاع حرب برية واسعة النطاق داخل اليمن. ولعل الأهم من ذلك، أن حالة الحوثيين هذه توضح كيف أن الصراعات الحديثة مدفوعة بشكل متزايد بشبكات عابرة للحدود الوطنية، مما يطمس الحدود التقليدية بين المشروع وغير المشروع بشكل متزايد.