آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-11:06م

من الرصيد الجامد إلى المحرك الاقتصادي: كيف نحرر تمويلات المشروعات الصغيرة والمتوسطة في اليمن؟

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 08:30 م
هشام السامعي

بقلم: هشام السامعي
- ارشيف الكاتب


تُظهر التقارير السنوية للمصارف والبنوك الخارجية كيف تتحول البنوك إلى قلب نابض للاقتصاد، ففي المملكة العربية السعودية، بلغت محفظة تمويلات مصرف الراجحي خلال عام 2025 نحو 753 مليار ريال سعودي، متجاوزةً إجمالي ودائع العملاء التي استقرت عند 663 مليار ريال. هذه الأرقام تعني ببساطة أن البنك لا يكتفي بتدوير الودائع، بل يبتكر أدوات لتمويل النمو وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وهو المحرك الأقوى للمشاريع الصغيرة والمتوسطة على وجه التحديد.

بالانتقال إلى المشهد اليمني، نجد مفارقة أرقام تستدعي التوقف، فلدينا أكثر من 24 بنكاً (ما بين بنوك تجارية كبرى وبنوك تمويل أصغر)، تمتلك إجمالي ودائع ومدخرات تجاوزت 8 تريليون ريال يمني بحسب تقرير البنك المركزي لعام 2025.

لكن الصدمة تكمن في أن حجم التمويلات الممنوحة لا يتجاوز 14% من إجمالي رأس المال بحسب التقرير ذاته. نحن إذاً أمام سيولة محبوسة تضعف وصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، رغم توفر الإمكانيات النقدية الضخمة داخل النظام المصرفي..

إن ضعف التمويل في اليمن ليس شحاً في المال، بل يمكن تفسيره بأنه نتاج مشكلة مركبة تتلخص في:

1_ هشاشة التشريعات: غياب القوانين التي تضمن للبنوك حقوقها وتسهل استرداد القروض، مما يرفع من درجة المخاطر ويجعل البنوك تفضل تجميد وتخزين الأموال بدلاً من إقراضها، أو استثمارها في أذون خزانة لتمويل نفقات الحكومة. والحل يكمن بشكل عاجل في استصدار تشريع يدعم القضاء المستعجل.

2_ غياب الاستراتيجية الحكومية: عدم وجود رؤية لإنشاء صناديق استثمارية توفر تمويلات مشتركة تجمع بين القطاع الخاص المحلي ومؤسسات التمويل الدولية.

3_ أزمة الثقة الائتمانية: الفجوة بين متطلبات البنوك التقليدية وواقع المنشآت الصغيرة التي تفتقر لأنظمة الحوكمة والتدقيق.

هذا كله يمكن تجاوزه، وبإمكان الحكومة اليمنية كسر هذا الجمود عبر تأسيس صندوق دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مستفيدةً من تجارب إقليمية ناجحة مثل:

1_ تجربة مصر عبر جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

2_ تجربة السعودية عبر الهيئة العامة للمنشآت (منشآت).

هذا الصندوق يجب أن يعمل كحاشد للتمويلات من مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية، ليكون بمثابة الضامن والميسر بين سيولة البنوك وطموح أصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة.

ولدينا في اليمن تجربة رائدة لا يجب إغفالها، وهي الصندوق الاجتماعي للتنمية. الذي أثبت قدرة المؤسسات المحوكمة على النجاح حيث عجزت الدولة، ففي أصعب لحظات الحرب وانهيار المؤسسات، ظل الصندوق حاضراً، ينفذ مشاريعه بكفاءة وشفافية دولية، مما يثبت أن البيئة اليمنية قادرة على إنتاج مؤسسات ناجحة إذا ما توفرت لها استقلالية القرار وآليات الرقابة الصارمة.

الخلاصة

إن تحويل الاحتياطيات في البنوك من أرصدة دفترية أو سيولة في الخزائن الصلبة إلى خطوط إنتاج، يتطلب جرأة في التشريع وابتكاراً في التمويل. إن المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي التي تبني الطبقة الوسطى وتضمن الاستقرار، وبدون جسر تمويلي متين، سيبقى اقتصادنا يراوح مكانه خلف جدران الخزائن الصلبة والعقليات المتحجرة.

هشام السامعي