عندما كانت العواصم تضج بضجيج الهروب من جحيم الحرب في 2015 كان هناك صوت آخر يأتي من بعيد
ليس صوتاً للفارين بل لرجالٍ قرروا حزم حقائبهم في اتجاه عكس السير هؤلاء هم رجال كتيبة سلمان وعلى
رأسهم القائد قاسم الجوهري الذين غادروا رغد العيش في دول الاغتراب وتركوا خلفهم وظائفهم المستقرة
وبيوتهم الآمنة ليلبوا نداء الأرض في لحظة تاريخية فارقة .
الاختبار الصعب مغادرة مربع الراحة لم تكن كتيبة سلمان مجرد وحدة عسكرية عابرة بل كانت ظاهرة
اجتماعية ووطنية فريدة فالمقاتل فيها لم يكن جندياً بالأجر بل كان عامل ومهندس ورجل أعمال ومغترباً قضى
عقوداً يبني مستقبلاً لعائلته .
بين عشية وضحاها استبدل هؤلاء :
1- الثياب الأنيقة ببدلات الكاكي المتربة .
2- المكيفات الباردة بلهيب شمس عدن وحرارة المتارس في رأس عمران وبئر أحمد و التواهي وجعولة .
3- الاستقرار العائلي بخطر الموت الذي كان يتربص بهم في كل زاوية .
لقد جسدوا المعنى الحقيقي للتضحية فالذي يملك الكثير ويخاطر به من أجل مبدأ يختلف تماماً عمن يقاتل لأنه لا
يملك خياراً آخر .
ملحمة التحرير بصمة لا تُنكر في تلك الأيام العصيبة كانت كتيبة سلمان هي الروح التي ضخت الأمل في جسد
المقاومة الجنوبية لم يأتوا بخبرات عسكرية أكاديمية فحسب بل جاءوا بقلوب لا تعرف التراجع خاضوا معارك
شرسة وسقط منهم الشهداء والجرحى وكانوا جزءاً أصيلاً من المعادلة التي قلبت الموازين وأدت إلى تطهير
العاصمة عدن والمحافظات المجاورة من مليشيات الانقلاب .
الصدمة حين يصبح البطل غريباً في وطنه
لكن ومع انقشاع غبار المعارك وتأسيس الهياكل العسكرية الجديدة بدأت فصول المأساة الحقيقية وبدلاً من أن
تُفتح لهؤلاء الأبطال أبواب التقدير فُتحت في وجوههم أبواب الإقصاء والتهميش بل تم مصادرت مقراتهم
واغتيال بعض ابطالهم .
من المؤسف أن يجد المقاتل الذي ترك تجارته وحياته في الخارج نفسه اليوم يبحث عن رقم عسكري أو راتب
يسد رمق عيشه أو الأسوأ من ذلك أن يجد نفسه مستبعداً من المشهد لصالح مراكز قوى جديدة لم تكن موجودة
حين كان الرصاص هو اللغة الوحيدة .
لقد تعرضت الكتيبة لعملية تهميش ممنهجة شملت :
1. عدم الاستيعاب الكامل لم يتم دمج أفرادها بشكل لائق في مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية بما يليق
بتضحياتهم وخبراتهم .
2. إيقاف الرواتب والمخصصات عانى الكثير من أفرادها من انقطاع المستحقات مما دفع بعضهم للعودة إلى
الاغتراب بمرارة وبقي الآخرون يصارعون الفقر بكرامة مجروحة .
3. مصادرت مقراتهم واغتيال بعض ابطالهم .
4. التغييب الإعلامي والسياسي جرى القفز فوق تضحياتهم في الروايات الرسمية لانتصارات 2015 وكأن
تلك الملحمة خُلقت بلا أبطال .
إن قضية كتيبة سلمان ليست مجرد مطالبة بحقوق مادية بل هي اختبار لأخلاقيات الدولة والقيادة إن تهميش
هؤلاء الرجال يبعث برسالة سلبية لكل من يفكر في التضحية من أجل الوطن مستقبلاً .
العدالة تقتضي إعادة الاعتبار لهذه الكتيبة ليس فقط بمنحهم الرتب والرواتب بل بتخليد ذكراهم كنموذج استثنائي
للولاء الوطني الذي تجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الشخصية فمن جاء من الرفاهية ليختار الموت دفاعاً عن
كرامتنا لا يستحق منا أن نتركه لقمة سائغة للنسيان والفاقة .
فهل تستوعب القيادة الدرس قبل أن يغادر آخر هؤلاء الأبطال متارسه وهو يشعر بالندم ليس على التضحية بل
على جحود ذوي القربى ؟