من واقع قراءتي، ومن حقائق الإدارة التي لا يجادل فيها عقلٌ رشيد، يتبيّن أن قيمة المنصب لا تُقاس بارتفاع كرسيّه، بل بارتفاع أخلاق من يجلس عليه. فالمناصب في ذاتها صامتة، لا تنطق بعدلٍ ولا تظلم أحداً، وإنما تُعطي ملامحها من ملامح صاحبها؛ فإن كان الرجل أكبر من المنصب، ارتفع المنصب به، وإن كان المنصب أكبر من الرجل، انكشف عجزه ولو توارى خلف الألقاب.
الرجل الذي يكون أكبر من منصبه، لا يتعامل مع السلطة باعتبارها امتيازاً، بل أمانة. يستحضر قول الله تعالى في سورة النساء الآية 58:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا﴾.
فيكون عادلاً لأن العدل عنده مبدأ لا شعار، متواضعاً لأن المنصب لم يضف إلى إنسانيته شيئاً لم يكن فيه، ومنتجاً لأن العمل عنده رسالة لا استعراض.
أما حين يكون المنصب أكبر من الرجل، فهنا تبدأ المأساة الإدارية. يتضخم الكرسي في عينيه حتى يظن نفسه دولةً تمشي على قدمين، فيتحول المنصب من خدمةٍ عامة إلى سلطةٍ متعالية. يغترّ باللقب، ويستكثر النقد، ويستصغر الناس، ويقيس نجاحه بعدد المصفقين لا بعدد المنجزات. وهنا يتجلى الفشل، لا في نقص الصلاحيات، بل في نقص الكفاءة؛ ولا في قلة الموارد، بل في قلة الرؤية.
التاريخ شاهدٌ لا يجامل. كم من قائدٍ عظيمٍ بقي اسمه حياً لأنه كان أكبر من منصبه، فجعل من المسؤولية عبادة، ومن العدل سلوكاً، ومن التواضع قوة. وكم من مسؤولٍ طواه النسيان لأنه ظن أن الكرسي يرفع من لا يملك مقومات الارتفاع.
في علم الإدارة الحديثة، تُقاس القيادة بالنتائج، وبالقدرة على بناء فريقٍ ناجح، وبترسيخ ثقافة العمل لا ثقافة الخوف. القائد الحقيقي يصنع رجالاً، لا أتباعاً؛ ويبني مؤسسات، لا أمجاداً شخصية. أما من كان المنصب أكبر منه، فإنه يحارب الكفاءات لأنها تفضح ضعفه، ويستبدل الإنجاز بالضجيج، والعمل بالشعارات.
إن المنصب اختبارٌ أخلاقي قبل أن يكون وظيفة. فمن رأى فيه وسيلةً لخدمة الناس، كان أكبر منه، ومن رآه سلّماً للتفاخر، صغُر أمامه. والفرق بين الحالتين كالفرق بين من يحمل الأمانة، ومن تحمله الأمانة فتثقله حتى يسقط.
الخلاصة أن العظمة ليست في علوّ المنصب، بل في علوّ القيم. فإذا أردنا إصلاحاً حقيقياً، فعلينا أن نبحث عن رجالٍ أكبر من مناصبهم، لا عن مناصب أكبر من رجالها. فبهم تُصان الحقوق، وتُحفظ الكرامة، ويُبنى الوطن على أساسٍ من العدل والإنتاج والتواضع، لا على وهم الألقاب وبريق الكراسي الزائل.
الحكمة أن الكرسي لا يصنع رجلاً، لكن الرجل يصنع للكرسي معنى. والعدل لا يُستورد بقراراتٍ مكتوبة، بل يُولد في ضميرٍ حي. فمن أراد أن يكون كبيراً، فليكبر بأخلاقه قبل ألقابه؛ وليتذكر أن المناصب مراحل عابرة، أما السمعة فباقية، والتاريخ لا يرحم.
وهكذا تبقى القاعدة ثابتة:
من كان أكبر من منصبه، خدم الناس فخلّدوه.
ومن كان المنصب أكبر منه، خدم نفسه فأسقطوه.
وتلك عبرةٌ لمن أراد أن يعتبر.