آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-02:39ص

نسمة أبين: حين تعانق الجبال زرقة البحر وتستفيق الروح من سباتها

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 08:59 م
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


بينما كانت خيوط الشمس الذهبية تتهادى بدلالٍ أسطوري فوق قمم الجبال الشامخة الممتدة على طول أفق أبين، استيقظ "الراعي" على ترنيمة الحياة الأولى؛ صوت ارتطام دلو الماء بعتبات البئر العتيقة، ليعلن ميلاد يومٍ جديد. في تلك اللحظات، تبدأ طقوس الأرض المقدسة؛ نساء يحلبن الخير من ضروع الماعز والبقر، ورجال تشققت أيديهم عزةً وهم يشاركون في حلب الإبل، وسط سحابة من رائحة الزرع الندية التي تفوح كبخورٍ سماوي، يستنشقه المارة بعمقٍ لتمحو عن مآقيهم بقايا الكرى.

المرايا المنكسرة والوجع المقيم

لكن خلف هذا الجمال، ثمة غصة تسكن الروح؛ ثمة تفكير مثقل بأيام العمر التي توشك أن تتبخر كضباب الصباح. هناك، خلف النافذة المطلة على البحر، وفي زوايا الغرف المنسية، تقبع المرآة المكسورة. تلك المرآة التي لم تعد قادرة على منحك صورتك الحقيقية، ولا تعينك حتى على ترتيب عمامتك بشكل لائق، وكأنها تعكس شتات الذات وضياع الهوية في زمن الانكسار.

اليوم ليس كأي يوم؛ إنه يوم الاختبار الكبير. هل سيصمد الحب الذي نُقش بالسر على رمال أبين الذهبية؟ أم ستذروه الرياح العاتية؟ فعلى الساحل الذهبي، حيث يمتد البحر كمرآة زرقاء تعكس تاريخ الإنسان الأبيني الصابر، كانت "أبين" تنتظر. لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت "أبين" الأنثى، والوطن، والحبيبة في عين من يعشقها؛ بطيبتها الفطرية وغموضها المهيب.

صرخة الأرض ونداء الهوية

بصوتٍ يرتجف خوفاً وحنيناً، تساءلت أبين: هل قرر الجميع بيعي وأنا البيت القديم؟ هل لازال شكلي العتيق يوحي بالهجران؟ اسألوا البحر لماذا يريد الرحيل عن شواطئي؟

لقد ضاق الصدر بما رحبت الأرض، ضيقاً يشبه تلك الشوارع التي أثقلتها النفايات، وأرهقتها مياه الصرف الصحي، وشوهت وجهها أسلاك الكهرباء والهاتف المبعثرة كخيوط العنكبوت. شوارعُ حفرت فيها الحروب العبثية ندوباً لا تندمل، وهدمت بيوتاً كانت يوماً مآهلة بالضحكات. ورغم هذا الخراب، ظلت قلوب الأبينيين واسعة كالبحر، وإن كان رمل الشاطئ اليوم ساخناً يكويه الهجر، ولا يشبه في حرارته أي شاطئ آخر.

دعوة للم الشتات: عودة الروح

إنها دعوة صريحة لنبذ الانكسار؛ تعالوا نجمع شتات النفس، ونواجه الريح بصدورٍ عارية إلا من الحب. تعالوا نزرع الأرض لتخضرّ من جديد، ونبرد حبات الرمل بدموع اللقاء، لتعود أبين بكل أهلها؛ من قمم جبالها الوعرة إلى سهولها المنبسطة، ومن مدنها الصابرة إلى سواحلها المهجورة.

لقد هجرنا شواطئنا يوم أن هجرنا أرواحنا وذهبنا بعيداً في تيه الغربة والشتات. واليوم، تنادينا "نسمة أبين" – تلك النسمة الفريدة الممتزجة بملوحة البحر وعطر البر وشموخ الجبال. تعالوا نستنشقها من جديد، لنستعيد أرواحنا الضائعة، ونعود إلى المكان الذي لا نُعرف إلا به، ولا نعرف وطناً سواه.

إنها أبين.. والعودة إليها ليست خياراً، بل هي قيامة الروح من رماد الحروب.