آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-10:10ص

لحظة الحقيقة الخليجية .. إما مجلس فاعل أو حضور يتآكل

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 08:32 م
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


في كل مرة ينعقد فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يتجدد ذات السؤال بصيغة مختلفة .. هل ما زال هذا الكيان قادرًا على أن يكون أكثر من مجرد إطار شكلي؟ أم أنه يكتفي بإدارة التباينات بدل تجاوزها؟

هل نحن أمام محاولة جادة لردم الهوة التي اتسعت بين دُوَلهِ، أم مجرد محطة أخرى تُلقى فيها الكلمات وتُعاد فيها صياغة البيانات دون أثرٍ ملموس؟

يأتي هذا الاجتماع لدول الخليج اليوم، ليس بوصفها لقاءاتٍ بروتوكولية عابرة، بل كاختبارٍ حقيقي لقدرة هذا التكتل على استعادة روحه، ودوره، ومكانته في عالمٍ لا يعترف إلا بالقوى المتماسكة والرؤى الواضحة.

الاجتماع الخليجي اليوم لا يمكن قراءته كحدثٍ عادي، فهو يأتي في لحظةٍ تتشابك فيها التحديات، من توترات إقليمية مع إيران، إلى تحولات دولية تعيد رسم موازين القوى، إلى أسئلة داخلية حول جدوى السياسات الفردية التي اتبعتها كل دولة على حده، خلال السنوات الماضية.

المشكلة لم تكن يومًا في غياب اللقاء، بل في غياب ما بعد اللقاء، كثير من الاجتماعات انتهت ببيانات متشابهة، لكن الواقع بقي كما هو، مواقف متباينة، استراتيجيات غير منسقة، ورؤية جماعية غائبة أو مؤجلة.

اليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا .. ليس فقط لرأب الصدع، بل لإعادة تعريف معنى العمل الخليجي المشترك، فالفجوة القائمة، خصوصًا في التعامل مع الملفات الإقليمية الحساسة، لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى عامل إضعاف حقيقي للمنظومة ككل.

لقد كشفت السنوات الماضية حجم التباين داخل الخليج، خصوصًا في مقاربة ملفات حساسة مثل العلاقة مع إيران.

فبين من يرى في التصعيد والمواجهة خيارًا ضروريًا، ومن يدعو إلى التهدئة وفتح قنوات التفاوض .. تشكل انقسامٌ استراتيجي أضعف الصوت الخليجي الجماعي، وأفقده القدرة على التأثير الحاسم.

ومع ذلك، فإن هذا التباين قد لا يكون نهاية الطريق، بل يمكن أن يكون نقطة انطلاق، إذا ما أُدير بعقلانية، نحو نموذج أكثر نضجًا، يقوم على تنسيق المصالح بدل فرض التطابق الكامل.

من هنا، تبرز أهمية أي اجتماع خليجي اليوم .. هل يكون بداية لمعالجة هذا الانقسام؟ أم مجرد إدارةٍ له دون حل؟

إن إعادة تموضع الخليج لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية .. عالم اليوم يتشكل من جديد، والتحالفات تُعاد صياغتها، وموازين القوة لم تعد تقاس فقط بالجيوش، بل بالعقل، والاقتصاد، والبحث العلمي، والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، تملك دول الخليج من الإمكانات الاقتصادية والموارد ما يؤهلها لتكون قوة مؤثرة، لا مجرد ساحة لتقاطع المصالح الدولية.

لذلك، فالحاجة ملحة لفرض مجلس موحد يعيد تعريف التعاون، لا شكلاً بل مضمونًا، عبر بناء منظومة تعتمد على التخطيط الاستراتيجي، والبحث العلمي، والتكامل الاقتصادي، والأمن الجماعي؟

ونجاح تجربة خليجية متماسكة قد يشكل نواةً لتوجه عربي أشمل نحو التكتل والوحدة، ليس بالمعنى التقليدي، بل بوحدة المصالح والرؤى والقدرة على الفعل.

العالم اليوم لا ينتظر أحدًا، ومن لا يعيد تشكيل نفسه، يُعاد تشكيله من الخارج، لذلك، قد لا يكون هذا الاجتماع مجرد لقاء، بل فرصة تاريخية .. إما أن يكون بداية مسارٍ جديد يعيد للعربي ثقته بنفسه، وقدرته على المبادرة والتأثير، أو محطة أخرى تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة.

نحن في مرحلة، قد تكون الفرصة فيها قائمة، الوقت لم ينفد بعد، لكن هامش المناورة يضيق، والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا .. هل نرى قريبًا مجلسًا خليجيًا جديدًا، أم نكتفي بالحنين إلى ما كان يمكن أن يكون؟

عالم اليوم لا يرحم المتباكين، ولا يكافئ المترددين .. التكتلات التي تنجح في فرض وجودها، هي تلك التي تملك وضوحًا في الرؤية، وجرأة في القرار، واستثمارًا حقيقيًا في أدوات القوة الحديثة .. والخليج يمتلك كل هذه الأدوات، لكنه لم يوظفها بعد ضمن مشروع جماعي متكامل.

فالوحدة اليوم لا تعني التطابق بالضرورة، بل القدرة على العمل المشترك رغم الاختلاف .. في هذا السياق، يبرز دور المملكة العربية السعودية كعامل حاسم.

لكن المسألة لم تعد مجرد قيادة من طرف واحد، بل قدرة على بناء توافق مرن، يوازن بين ثقل الرياض واستقلالية بقية العواصم الخليجية.

نجاح هذا الدور مرهون بمدى استعداد الجميع لتقديم تنازلات متبادلة، لا انتظار مبادرات أحادية.

السؤال الأكثر عمقًا هو .. هل دول الخليج مستعدة للانتقال إلى مرحلة جديدة .. هل ما نشهده ولادة مجلس خليجي جديد؟

مجلس لا يكتفي بردود الفعل، بل يبادر بالفعل؟

قد يكون هذا الاجتماع مختلفًا، أو قد لا يكون، الفرق لن تصنعه الكلمات، بل القرارات.

إذا خرج اللقاء بخطوات عملية .. تنسيق سياسي حقيقي، تكامل اقتصادي أعمق، رؤية أمنية مشتركة، فقد نكون أمام بداية تحول فعلي، ليس فقط في مسار الخليج، بل في إمكانية بلورة نموذج عربي أوسع للتعاون.

أما إذا بقي في إطار المجاملات السياسية، فسيكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الفرص المؤجلة.

بين الاحتمالين، يقف الخليج اليوم أمام لحظة اختيار .. إما أن يعيد تعريف نفسه كقوة إقليمية موحدة، أو أن يواصل التكيف مع واقع الانقسام، بكلفةٍ تتزايد مع الوقت، وفي عالم يُعاد تشكيله بسرعة، قد لا تتكرر هذه الفرصة كثيرًا.