آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-02:28م

اليمن إلى أين؟ حين تسقط الأقنعة وتبدأ مرحلة الحقائق

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 11:12 م
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


من يتابع المشهد اليمني اليوم يدرك أن القضية لم تعد حرباً بين مشروع دولة ومشروع انقلاب، ولا صراعاً بين شرعية وتمرد كما صُوِّر لسنوات، بل أصبحت ساحة مكشوفة لتصارع جماعات النفوذ، وتكاثر مراكز الارتزاق، وتدوير الأزمة بما يضمن استمرار المستفيدين منها. ولهذا فإن المرحلة القادمة لن تكون امتداداً للماضي، بل لحظة فرز قاسية تُسقط الأقنعة وتكشف الحقائق.


ما يسمى بـ”الشرعية” قدّمت نفسها يوماً ممثلاً للدولة، لكنها مع مرور الوقت تحولت في نظر كثيرين إلى جسم مترهل، يضم شخصيات متفرقة جمعتها المصالح أكثر مما جمعها مشروع وطني. انتشلها التحالف من حالة الانهيار ومنحها فرصة تاريخية لتستعيد المؤسسات وتبني نموذجاً محترماً، لكنها في محطات كثيرة بدت منشغلة بالمكاسب، والمناصب، وتقاسم الامتيازات، أكثر من انشغالها بالتحرير أو إعادة البناء. ولأن إنهاء الحرب يعني نهاية امتيازات كثيرة، فقد صار بقاء الأزمة مصلحة للبعض، لا عبئاً عليهم.


أما في الشمال، فالصراع رغم حدّته العسكرية يحمل أبعاداً اجتماعية ومذهبية معقدة. كثير من القوى المتصارعة تنتمي إلى بيئة واحدة، وتتحرك داخل منظومة تقليدية متشابهة في فهم السلطة واحتكار النفوذ، حتى وإن اختلفت الشعارات. ولهذا رأينا معارك طويلة بلا حسم، ومفاوضات متكررة بلا نهاية، لأن جوهر الصراع ليس تحرير المواطن بل من يحتكر الحكم والثروة.


وفي الجنوب أيضاً، لم تسلم الساحة من ظاهرة التشكيلات المتعددة، حيث تتقدم أحياناً الولاءات الضيقة والمصالح المرحلية على مشروع الدولة الحقيقي. فتحول كثير من الفاعلين إلى أدوات ضغط ومساومة، تتبدل تحالفاتهم بتبدل الظروف، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.


لكن إذا أردنا اختصار جوهر الصراع كله، فإن الحقيقة الأوضح أن الجميع يدرك قيمة حضرموت. الأرض الواسعة، الموقع الاستراتيجي، الثروة النفطية، الموانئ، العمق الاجتماعي، والامتداد التاريخي. حضرموت بالنسبة لكثير من القوى ليست شريكاً، بل “الجائزة الكبرى” التي يريد كل طرف أن يضع يده عليها ليضمن البقاء. ولهذا ظلت مستهدفة سياسياً واقتصادياً، وتُدار ملفاتها غالباً من خارج إرادة أهلها.


يبقى السؤال الأهم: ما دور الحضارم في المرحلة القادمة؟


الجواب أن الداخل الحضرمي نفسه منقسم بين تيارات مرهونة لأحزاب وأيديولوجيات قديمة، ما زالت تعيش شعارات مستهلكة، وبين فئة وطنية حرة تدرك أن الزمن تغير وأن مستقبل حضرموت لا يُبنى بالتبعية لأحد. الفئة الأولى ستبقى عبئاً، لأن من اعتاد الارتهان لا يصنع قراراً مستقلاً. أما الفئة الثانية، وهي الصامتة غالباً، فهي التي ستقود التحول القادم إذا أحسنت التنظيم وتجاوزت التشتت.


توقعات الحلول القادمة تشير إلى أن الملف اليمني يتجه نحو تسوية كبرى، قد تقوم على تقاسم نفوذ، وترتيبات مناطق، وضمانات إقليمية، أكثر من قيامها على استعادة دولة مركزية موحدة. وفي مثل هذه التسويات، من لا يملك مشروعاً واضحاً يُفرض عليه مشروع الآخرين.


وهنا تصبح مسؤولية حضرموت تاريخية:


* توحيد الصف الداخلي حول حقوق واضحة.

* رفض تحويلها إلى خزنة تمويل للآخرين.

* بناء مؤسسات محلية قوية.

* فرض شراكات عادلة مع الإقليم.

* التمسك بحق إدارة الأرض والثروة والقرار.


المرحلة القادمة ليست مرحلة الشعارات، بل مرحلة انتزاع الحقوق بالعقل والقوة السياسية والتنظيم. ومن يتأخر اليوم سيدفع ثمن التأخر سنوات طويلة.


اليمن يدخل زمن التسويات، لكن حضرموت يجب أن تدخل زمن القرار. ومن لا يتعلم من عقود النهب والفوضى، سيُنهب مرة أخرى بثوب جديد.