آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-02:28م

جنوب اليمن "والروايات المبتورة"

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 01:03 م
احمد سالم فضل

بقلم: احمد سالم فضل
- ارشيف الكاتب


ليست المشكلة في تاريخ الجنوب أنه مليء بالأخطاء، بل في الإصرار المستمر على إنكارها أو القفز فوقها. فالأمم لا تنهار بسبب ماضيها، بل بسبب عجزها عن مواجهته.

منذ الاستقلال في 1967، دخل الجنوب مرحلة كان يُفترض أن تكون بداية لبناء دولة حديثة، غير أن مسار تلك المرحلة لم يكن نقيًا كما يُصوَّر أحيانًا. فقد شهدت السنوات الأولى صراعات داخلية حادة، استخدمت فيها شعارات الثورة لتبرير الإقصاء، بل والتصفية السياسية في بعض الحالات.

أحداث مطلع السبعينيات، بما فيها ما يُتداول حول استهداف شخصيات اجتماعية وقبلية بارزة، ليست مجرد وقائع تاريخية عابرة، بل جزء من نمط حكم قائم على إلغاء التعدد واحتكار الحقيقة. هذا النمط لم يُنتج دولة قوية، بل زرع بذور الانقسام والخوف التي انفجرت لاحقًا في أكثر من محطة.

المشكلة الأكبر اليوم ليست في ما حدث آنذاك، بل في الصمت الذي تلاه. فلا توجد مراجعة رسمية، ولا اعتراف واضح، ولا حتى محاولة جادة لإنصاف الضحايا أو إعادة الاعتبار لهم. وكأن المطلوب من المجتمع أن ينسى، بينما الذاكرة لا تنسى.

إن استمرار تجاهل هذه الملفات لا يحمي الحاضر، بل يهدده. لأن أي مشروع سياسي يتجنب مواجهة هذا الإرث، سيجد نفسه – عاجلًا أو آجلًا – يعيد إنتاجه بأدوات جديدة وشعارات مختلفة.

لا يمكن بناء جنوب مستقر على رواية مبتورة. ولا يمكن تأسيس مصالحة حقيقية دون الاعتراف بأن أخطاء جسيمة وقعت، وأن ضحايا سقطوا، وأن هناك مسؤولية تاريخية يجب أن تُناقش بشجاعة.

الاعتراف هنا لا يعني جلد الذات، بل تحريرها. ولا يعني إسقاط الحاضر، بل حمايته من تكرار الماضي.

لقد أثبتت التجارب أن السلطة التي لا تقبل النقد، تتحول إلى سلطة تخاف من المجتمع، فتسعى إلى تفكيكه بدلًا من تمكينه. وهذه هي المعادلة التي دفعت أثمانها أجيال كاملة.

اليوم، الجنوب أمام مفترق طرق: إما أن يختار الشجاعة ويفتح ملفاته المؤلمة بصدق، أو يواصل الهروب، وفي هذه الحالة لن يكون المستقبل إلا نسخة مكررة من الماضي.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالحقيقة. ولا تُحمى بالقوة، بل بالعدالة.