آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-05:05م

مرافئ السمر في ربوع أبين.

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 03:11 م
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


حين توارى الشمس خجلها خلف الكثبان الذهبية الشاسعة والقمم الشاهقة التي تعانق كبرياء "أبين"، تخلع الأرض رداءها لتلتحف ببردة مرصعة بالنجوم. هناك، حيث تتناثر أضواء المنازل كعقد انفرطت حباته على طول المدى، تبدو القرى كحضن دافئ يجمع شتات العوائل التي اكتمل نصابها، سوى من غائبٍ سكنت خطواته بلاد الغربة، أو موظف قيدته التزاماته بعيداً عن دفء الديار.

تنبعث من تلك البيوت العتيقة روائح "القُربة" وعبق "الموافي"؛ حيث تتصاعد أدخنة المطابخ معلنة عن طقوس العشاء، فبين يد تخبز "الملوح" وأخرى تداعب "العصيد" في ملاحم يومية تخوضها النسوة بصبر يغالب الدخان واللظى.


وعلى مقربة من صخب المطابخ، تجد الرجال قد تحلقوا في خلواتهم العامرة، يلتفون حول "المداعة" التي تئنّ بحكاياتهم. ينادون النسوة بلهفة ليأتين بجمر الحطب المتوقد، فالدخان في عرفهم ليس مجرد سحابة، بل هو طقس يستجلب الرواق، ويفتح مغاليق القلوب. في تلك الجلسات، تُحاك قصص الحياة، وتُكشف أسرار الأيام، وتتعالى الضحكات الصافية التي تلامس عنان السماء.

يدلف عليهم عابر سبيل مبتسماً، لا يدري من أمرهم شيئاً، لكنه يقرأ في وجوههم معانيَ أبلغ من الكلام. يستقبلونه بوجوه مستبشرة وقلوبٍ مفتوحة، قائلين: هات ما عندك.. حدثنا عن رحلتك، وعن صخب التجارة، وعن كدح البيع والشراء.

مفارقات الليل.. عشاء للقدر

وبينما هم في غمرة الاستئناس، ساد صمت مفاجئ شقّ هدوء السمر؛ لقد مرّ عقرب استلّ من سواد الليل غطاء، فانسلّ مسرعاً قبل أن تطاله ضرباتهم، ليختفي كأنه طيف عابر. وبينما هم يحاولون استعادة سكينتهم، أقبلت ربة الدار تحمل "الصحفة" العامرة بعشاء امتزجت فيه لذة الطعام بعرق الكدح والجهاد طوال يوم كامل.

هتف صاحب البيت: أسرعوا بالنار لنبصر طريقنا، فقد مرّ من هنا ما يحذر منه". وما إن لاح بصيص الضوء، حتى تراءى لهم ثعبان ضخم ينساب بين الصخور كأنه حارس من حراس الظلام. وفي غمرة انشغالهم بمطاردة الثعبان وتأمين المكان، انسلّت حيواناتهم في غفلة منهم لتأتي على العشاء وتلتهمه عن آخره!

لم تكن تلك النهاية مأساة، بل تحولت إلى طرفة تُضاف إلى سجل ذكرياتهم الحافل. انقضى الليل بضحكات مجلجلة غطت على خيبة ضياع العشاء، لتبقى تلك الليلة حكاية تُروى، وشاهداً على أن السعادة في "أبين" لا يقتلها فقدان طعام، بل يحييها رضا النفوس وجميل الصبر.