آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-05:05م

العبادات الدينية ..  والعادات والتقاليد المجتمعية ..!!

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 03:13 م
إبراهيم ناصر الجرفي

بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


إن الفلسفة الإسلامية تنظر إلى العبادات على أنها علاقة خاصة بين العبد وخالقه ' يتجسد من خلالها مدى خضوع ذلك العبد لله تعالى ومدى ارتباطه به ومدى طاعته له ' كما أن العبد ينال بموجب قيامه بأداء تلك العبادات على الأجر والثواب الكبير من الله تعالى في الدنيا والآخرة ' وبذلك فإن أداء العبادات في الاسلام تعود بالخير والفائدة على الشخص نفسه ' كما أن قبول تلك العبادات أو رفضها أمر بيد الله تعالى ' فهو وحده الذي يعلم نوايا وخفايا النفوس البشرية ' وهو وحده جل شأنه من يعرف حق المعرفة هل كانت العبادة خالصه لوجهه الكريم أم مجرد رياء وسمعة ونفاق ومظاهر ، قال تعالى (( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يرآؤن * ويمنعون الماعون )) ، فإذا كانت العبادة خالصة لوجه الله تعالى فإن العبادة تكون في سياقها الصحيح وتحقق الهدف الشخصي والنفعي المنتظر منها ' وإذا كانت بهدف الرياء والسمعة فإنها تخرج عن سياقها الصحيح ' ويتجسد من خلالها النفاق الديني والسياسي والاجتماعي ' وتتحول من شأن خاص بين العبد وخالقه إلى شأن اجتماعي وسياسي ' الهدف منه استغلال تلك العبادات لتحقيق مصالح دنيوية وسياسية ( صل له يقرب ) ..!!


لذلك نلاحظ أن بعض الاجتهادات الفقهية عبر التاريخ قد سعت جاهدة إلى تغيير حقيقة مفهوم العبادة من الخصوصية إلى العمومية ، وجعلت منها مقياسا بشريا واجتماعيا وسياسيا لتقييم الشخص والحكم عليه ظاهريا بالصلاح أو الفساد ، فبمجرد تردد الشخص على دور العبادة يصبح ظاهريا من الصالحين ، دون أي اعتبار لدوافعه واخلاقه وسلوكياته وتعاملاته مع الآخرين ، ما فتح المجال واسعا أمام تفشي ظاهرة النفاق الديني والاجتماعي والسياسي ، وما فتح المجال واسعا أمام ضعاف النفوس وأصحاب الاطماع الدنيوية لتحقيق طموحاتهم واهدافهم غير المشروعة عبر التظاهر بالصلاح والالتزام بممارسة العبادات الحركية في دور العبادة ، لتشرع أمامهم الأبواب كمتدينين وزهاد ، ليمارسوا أبشع صور الاستغلال للدين من الغش والخداع والتضليل والخيانة ، وكم تفاجأت المجتمعات الاسلامية بظهور قضايا فساد واختلاس وعنف وارهاب كان أبطالها من المتظاهرين بالتدين ، كما أن الكثير من السلطات السياسية الاسلامية عبر التاريخ كان لها دور في ظهور تلك الاجتهادات التي حولت العبادات من طاعات إلى عادات وتقاليد اجتماعية ، حيث استغلتها لمراقبة ومتابعة افراد المجتمع ، وفرض معتقداتها المذهبية والطائفية ، ما دفع بالكثير من الناس إلى أداء تلك العبادات تحت ضغوط وقيود اجتماعية وسياسية ، ما تسبب في تعاظم ظاهرة الرياء وانتشار ظاهره النفاق الديني والسياسي والاجتماعي على أوسع نطاق ، وبتلك السياسات لم يعد أداء العبادات شأناً خاصاً بين العباد وخالقهم' بل أصبح أداؤها شأناً عاماً كجزء من الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية والسياسية ' واصبح العديد من الناس عبر التاريخ الاسلامي يلتزمون بأداء تلك العبادات كواجب تمليه عليهم العادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية والسياسية قبل أن يكون واجباً يمليه عليهم الدين ' وبموجب ذلك تحولت العبادات في الإسلام من عبادات وطاعات إلى عادات وتقاليد ..!!


وتحويل العبادات الدينية من شأن خاص إلى شأن عام ' يتعارض تماماً مع الرغبة والقناعة والرضا الواجب توفرها لأداء العبادات ' فالكثير من العادات والتقاليد المجتمعية تجبر وتكره الأفراد على القيام بها حتى لو لم يكونوا راغبين أو مقتنعين بها ' وترتب على ذلك تنامي ظاهره النفاق الديني والسياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي ' بعد أن أصبح الحكم الظاهري على الأشخاص وتقييم أخلاقهم يتوقف على مدى تظاهرهم بأداء العبادات ، فكم سرد لنا التاريخ الاسلامي الكثير من القصص التي كان أبطالها بعض أولئك الذين كانوا يتسابقون على الصفوف الأولى في المساجد ، وذلك لأن الحكم عليهم كان بمجرد تظاهرهم بأداء العبادات كعادات وتقاليد مجتمعية ، فالمهم في الموضوع ممارسة العبادات في الظاهر ، بغض النظر عن الاخلاق والسلوكيات والمعاملات ..!!


وفي ذلك مخالفة صريحة لنظرة الاسلام لموضوع العبادات الدينية التي أكدت على خصوصيتها بين العبد وخالقه ' والتي جعلت منها شأناً خاصاً وليس شأناً عاماً ' وأكدت بأن الحكم على الأفراد يتوقف على سلوكياتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وليس على مجرد تظاهرهم بأداء العبادات كعادات وتقاليد مجتمعية ' بل إن من أهم أهداف فرض تلك العبادات في الاسلام هو تقويم وتهذيب سلوك واخلاق الأفراد ، وعدم الالتزام بتلك النظرة قد سهل ومهد الطريق أمام المنافقين والمتصنعين لتولي أعلى المناصب الدينية والقيادية والسياسية ، وبموجب تلك النظرة القاصرة لمعنى ومفهوم العبادات الدينية ، تم تسليم القيادة والسلطة خلال فترات تاريخية مختلفة لذئاب بشرية متوحشة تدثرت بثياب التقوى والزهد ، لتسوم الشعوب الإسلامية سوء العذاب ، وتحكمها بالحديد والنار ، من أجل ذلك يجب على المجتمعات الاسلامية أن لا تقع ضحية التغرير والتضليل والنفاق والرياء ، وعليها أن تفرق بين العبادات الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية ، فليس كل ما يلمع ذهباً ، وليس كل من يتظاهر بأداء العبادات زاهد وتقي ومؤمن ، وبذلك فإن تقييم الشخص يتوقف على اخلاقه وسلوكيانه ومعاملاته ، أما أدائه للعبادات فهو شأن خاص به يقوم به برجاء الثواب والاجر من الله تعالى ، اذا ادركنا هذه الحقيقة يمكن أن تتلاشى ظاهرة النفاق في مجتمعاتنا الاسلامية ، ويمكن أن يضيق الخناق على المنافقين والمتظاهرين والمتصنعين والمرآئين ..!!