آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-12:04ص

الاستلاب الفكري والحضاري ..!!

الخميس - 30 أبريل 2026 - الساعة 03:35 م
إبراهيم ناصر الجرفي

بدون شك بأن البشر في جميع المجتمعات يمتلكون عقول لديها القدرة على التفكير والابداع والابتكار وايجاد الحلول الممكنة للمشكلات القائمة ، وكل ما تحتاجه للقيام بذلك هو الصقل والتعليم والتدريب والتنمية والرعاية ، وما نشاهده من فروق حضارية ومدنية وتقدمية كبيرة بين المجتمعات البشرية ، يعود إلى القدرة على الاستثمار الأمثل لتلك العقول ، فالمجتمعات المتقدمة سخرت كل امكانياتها وقدراتها في الاهتمام بالانسان ، ورعاية الانسان ، وتكريم الانسان ، واحترام الانسان ، وتعليم الانسان ، ومنحه كل حقوقه وحرباته ، فالانسان المواطن هو رأسمالها الحقيقي ، الذي من خلاله صنعت المعجزات العلمية والحضارية والتقدمية ، وأصبحت في مقدمة الركب الحضاري للأمم ، يعيش أفرادها في حالة من الرفاهية والرقي والحرية الغير مسبوقة فاقت كل التوقعات والخيالات ، في ظل أنظمة حكم مدنية وحضارية ، وفي ظل بيئة علمية وبحثية وفكرية مثالية ، وفي ظل وفرة مالية واقتصادية وتوزيع عادل للسلطة والثروة ، كل ذلك لأنها استثمرث الانسان أفضل استثمار ، فالانسان وبما يمتلك من قدرات عقلية وابداعية وفكرية ، هو من يضع الأمم والحضارات في المقدمة ويمنحها الريادة والتفوق في كل مجالات الحياة ..!!


فالعقول البشرية كانت وما تزال وستظل المقياس الحقيقي للتفريق بين الأمم المتقدمة والإمم المتخلفة ، فالعقول البشرية هي الثروة الحقيقية القادرة على بناء الحضارات العظيمة ، وكم هو مؤسف حال تلك الأمم التي يكون فيها الانسان المواطن آخر اهتماماتها ، وهي تغرق في ظلمات الجهل والتخلف والفقر والحروب والصراعات ، وأنظمة حكمها الاستبدادية والدكتاتورية تمارس البطش والظلم والطغيان ضد أفرادها ، وتحرمهم من أبسط الحقوق والحريات ، بل قد يصل الحال بها إلى محاربة العلم والتعليم والثقافة والابداع بكل الطرق والوسائل ، وقد ترى في العقول المفكرة والمبدعة خطر يهدد سلطاتها ونظام حكمها ، فالحكم والسلطة بالنسبة لها هي الهدف والغاية وما دون ذلك لا يدخل في جدول اهتماماتها ، وهكذا أمم هيهات هيهات أن تحقق أي تقدم حضاري وتكنولوجي وعلمي ، ومكانها الطبيعي هو الجلوس بائسة ويائسة في مؤخرة الركب الحضاري للأمم تنتظر ما تجود به عليها الأمم الأخرى من معونات ومساعدات لتبقى على قيد الحياة كعالة على المجتمع البشري ..!!


إن مجتمعات تقدس وتعظم الحكام والسلاطين وتؤمن بالخرافات والاساطير ، وتسخر من العلم والتعليم والبحث والدراسة ، ويعيش علماؤها ومفكريها في فقر وعوز وحاجة ، هي أمة عاجزة ومتخلفة لا أمل فيها ولا مستقبل لها ، إن أمة يكون الانسان المواطن وحاجاته وحقوقه وحرياته آخر اهتماماتها هي أمة ميؤوس منها ، وليست مؤهلة بأي حال من الاحوال لمنافسة الأمم الأخرى ، فلا عزة ولا كرامة ولا قوة ولا حضارة ولا نهضة ولا تطور بدون الاهتمام بالانسان المواطن وبدون صقل وتدريب قدراته العقلية والفكرية ، فالتخلف الذي تغرق فيه الأمم المتخلفة ليس بسبب نقص في ثرواتها ومواردها الطبيعية بل قد يكون لديها الكثير من تلك الموارد والثروات ، بل إنه بسبب عجز عقول أبنائها عن التفكير والابداع والابتكار واستثمار تلك الموارد والثروات الاستثمار الأمثل ، كونها تعيش في حالة من الاستلاب الفكري والحضاري ، ماذا تنتظر من عقول لا تمتلك الحرية في البحث والتفكير وابداء الرأي ، ماذا تنتظر من عقول كل تفكيرها منصب على توفير لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة ، الفرق شاسع وكبير بينها وبين تلك العقول المستنيرة والمتحررة من كل القيود ، تلك العقول التي يتوفر لديها كل سبل العيش ، ما يمنحها الفرصة والوقت للبحث والدراسة والابداع والاختراع ، والمساهمة الفاعلة في بناء حضارة راقية ومتقدمة لأمتها ، الفرق ساشع بين من يمتلك حق وحرية التفكير الحر والمبدع والخلاق ، وبين من يخاف من مجرد التفكير وابداء الرأي ، فحرمان الانسان من حقوقه العلمية والفكرية والابداعية هو الاستلاب الفكري والحضاري في أبشع صورة ، وليس هناك ما هو أسوآ وأبشع من خوف الانسان من مجرد التفكير كما هو الحال في مجتمعات الدول النامية والمتخلفة ، التي تحكمها أنظمة حكم استبدادية وقمعية تنظر إلى مواطنيها بمنطار الشك والرببة ، أنظمة حكم تخاف من كل ما له علاقة بالفكر والتفكير ، لذلك تعمل جاهدة على ترسيخ ثقافات وأفكار سلبية الهدف منها صناعة قطعان بشرية لا تسمع ولا ترى ولا تفكر ، شعارها نموت نموت ويحيا الملك الحاكم ..!!


إن الأمم والشعوب التي تعيش في حالة استلاب فكري وحضاري هي أمم وشعوب ميته سريرياً ، فاقدة للقدرة على المنافسة والحضور والمشاركة في مسيرة التقدم الحضاري والعلمي والتكنولوجي البشري ، إن شعوب وأمم تنظر إلى حكامها وجلاديها نظرة تقديس وتعظيم هي شعوب وأمم مستعبدة فاقدة لمعنى العزة والكرامة والحرية ، إن أمم وشعوب لا قيمة للانسان فيها وليس أكثر من رقم في مقياس التعداد السكاني ، هي أمم وشعوب فاقدة لكل القيم والمعاني الانسانية السامية والعظيمة ، إن أمم وشعوب لا تهتم بالعقول وبالعلم والعلماء والمفكرين ( العلماء في المجالات العلمية والتكنولوجية والفكرية وليس فقهاء الدين الذين يكرسوا المزيد من الخلافات والانقسامات والاصطفافات المذهبية والطائفية بين فئات المجتمع ) هي أمم وشعوب جاهلة ومتخلفة ومغيبة عن الفعل الحضاري ، والحراك الثقافي والفكري ، والابداع العلمي والتكنولوجي ، إن أمم وشعوب لا تأكل مما تزرع ولا تلبس مما تصنع هي أمم وشعوب عالة على الأمم والشعوب البشرية ، إن الأمم والشعوب التي يحتقر فيها الانسان المواطن ويهان ويظلم ويستعبد وتصادر حقوقه وحرياته هي أمم وشعوب تعيش في هامش التاريخ لا قيمة ولا وزن لها ، ودائما وأبدا يظل مقياس ومكانة وقيمة الشعوب والأمم بقيمة ومكانة الانسان فيها ، فالانسان المواطن هو صاتع الحضارة وصاتع كل التطورات التكنولوجية المذهلة التي تعيشها الأمم والشعوب المتقدمة ..!!