آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-08:22م

وفاء الجنود وخذلان القيادة

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 04:58 م
سالم احمد شلال

بقلم: سالم احمد شلال
- ارشيف الكاتب


اليوم وفي مقيل قات بمدينة الحبيلين، حيث تختلط السياسة بمرارة الواقع، وجدت نفسي أتحدث بثقة عن قناعة أؤمن بها: أن لا بديل عن الشرعية، وأن الفوضى هي المصير المحتوم لأي طريق آخر. تحدثت عن سنواتٍ مضت، وعن تجربةٍ لم تحصد منها الناس إلا الخيبات، وقلت بوضوح إن ما جرى خلال عقدٍ من الزمن كافٍ للحكم.

الغريب أن الوجوه من حولي لم تعارض، بل كانت تهز رؤوسها موافقة. كلمات التأييد كانت حاضرة، لكن خلفها شيءٌ أثقل… شيءٌ لم يكن يُقال.

شعرت أن هناك صمتًا أعمق من الكلام، وأن القناعة التي بدت على السطح لم تلامس الجذور. لم يكن تمسكهم بما يؤيدونه نابعًا من اقتناعٍ كامل، بل من شيءٍ آخر… شيءٍ يشبه الألم.

قطع ذلك الصمت صوت أحدهم، وقال بهدوءٍ ثقيل:

"أتدري أن كل من يجلس هنا فقد عزيزًا؟ كلهم لديهم شهداء…"

ساد الصمت، وكأن المجلس كله انكمش في تلك الجملة.

ثم مدّ أحدهم هاتفه إليّ، وقال: "اقرأ".

كانت محادثة بين أخوين في لحظات الحرب الأخيرة.

أحدهما يكتب: "انسحب… القيادة خذلتكم، وقد وصلت عدن."

فيرد الآخر: "لا يمكن ننسحب… إلا جثثًا هامدة."

وبعد لحظات… جاء الخبر.

استشهد.

حينها فقط فهمت.

ليست المسألة عن قناعةٍ سياسية بقدر ما هي وفاءٌ لدمٍ سُفك، وذكرياتٍ لا تُنسى، وتضحياتٍ يخشى أصحابها أن تذهب سدى.

هم يدركون الإخفاق، لكنهم يخشون أن الاعتراف به يعني أن كل ذلك الألم كان بلا معنى.

في تلك اللحظة، لم يعد الحديث عن الشرعية أو غيرها مجرد نقاشٍ سياسي، بل صار حديثًا عن وجعٍ إنساني عميق، عن قلوبٍ مثقلة بالفقد، وعن معركةٍ لم تعد فقط على الأرض… بل داخل النفوس.

خرجت من المجلس وأنا أكثر فهمًا… وأقل حُكمًا.

فبعض القناعات لا تُناقش بالعقل وحده،

بل تحتاج أن تُلامس جراحًا لم تندمل بعد.