جمال مسعود علي
كثرت في الآونة الأخيرة تقديم الاستقالات وقبولها من قبل ذوي المناصب الحكومية ، فقد لاحظنا أن كل مدير قدم استقالته من منصبه برر ذلك بعجزه عن أداء مهامه بسبب تدخلات لأطراف نافذة عرقلة عمله
في الحقيقة هي موجودة دائما وابدا حول تلك المناصب تراقب بعين المجهر ، ليست جهات مختصة كاجهزة الرقابة والمحاسبة أو مراقبو النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد بل هم قوى نافذة داخل وخارج الاطر القانونية ، لها القدرة على صنع القرار وتعديله وتغييره أو توجيهه ، لديها صلاحيات بمنح الصلاحيات أو سحبها ،
سبق وأن قدم مدير عام مديرية صيرة المهندس ابراهيم منيعم استقالته من منصبه لمعالي وزير الدولة محافظ عدن احمد لملس فرفضها ثم قدمها مرة أخرى وأصر عليها لأسباب اضطرت المحافظ لقبولها وتكليف غيره بالمهام
اليوم مدير تربية صيرة الاستاذ علاء مانا لنفس الأعذار والمبررات يقدم استقالته من منصبه للاخ العزيز عبدالرحمن شيخ محافظ عدن راجيا قبولها ، وغيره كثيرون من وقفوا أمام الحائط عاجزين عن النفاذ منه إلى المستقبل بمشاريعهم التطويرية وإحداث التغيير الحقيقي في اداراتهم .
في مشهد سابق وجهنا سؤال حساس جدا لأحد المعنيين بالأمر تساءلنا عن سبب عزوف بعض المسؤولين ممن أسندت إليهم مهام واختصاصات فتركوها بتقديم استقالتهم وطلبوا اعفاءهم من مهامهم .
فأجاب بكل جرأة :
المناصب بحاجة إلى مرونة وقدرة على التعامل مع الواقع المرير واولئك مصابون بهوس التغيير ورغبة الاجتثاث وهذا ليس منطقيا وبالذات في الوقت الحالي ، إذ هناك تفاهمات وتوازنات يجب مراعاتها وعدم تجاهلها وهؤلاء لا يقدرون ظروف المرحلة
ثم سألته عما يقال عنه بأنه تدخلات فأجاب : هي ليست تدخلات بالمعنى الحرفي ، وانما ارشادات ونصائح ومحاذير يقدمها البعض لمصلحة العمل وتحقيق التوازنات بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الساحة وهي ضرورية جدا ويجب عدم المساس بها ، وهذا ما يعتبره المدراء الجدد تدخلات معرقلة تدفع بهم لتقديم الاستقالة ، وهو هروب من المواجهة وتحمل المسؤولية
هذا ما دار في الحوار مع أحدهم حول هذا الغرض
أمس واليوم ولعله الغد أيضا سيقدم كل مدير عام أو مدير إدارة استقالته من منصبه بمجرد أن يصطدم بقوى خفية لاترى بالعين المجردة ليست مسجلة أسماءهم في أجهزة الرقابة والمحاسبة ومراقبة الجودة أو تقصي الحقائق ومبادئ النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد
لمصلحة العمل يقال انها قوى توازن وتوافق سياسي لديهم صلاحيات منح الصلاحيات أو سحبها ولديهم القدرة المطلقة على الازاحة والاقالة والترشيح وفرض المرشح وتوجيهه وتسييره وتدويره وتغييره وقبول استقالته
الاستاذ علاء مانا ليس الاخير من قدم وسيقدم استقالته بسبب تلك القوى النافذة ، وقد يتهم بالتقصير في واجبه والهروب من المسؤولية ، والمحافظ نفسه سيظل باحثا عنها من لديها ارتباطات بخيوط التحكم من الرقم واحد إلى الرقم الاخير فيما يطلق عليه بالدولة العميقة التي لاترى خيوطها بالعين المجردة وتنسل دوما من المجسات الدقيقة لأجهزة الرقابة والمحاسبة ومراقبة الجودة أو تقصي الحقائق ومبادئ النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد ، لهذا تجدهم متواجدون لا بأشخاصهم بل بتاثيراتهم البالغة على صنع القرار وتعديله وتغييره وقبول الاستقالات ورفضها ومنح الصلاحيات أو سحبها
قوى النفوذ لم يزرعها نظام في مرحلة ما ، بل كانت مهيأه ومعدة للامس واليوم والغد والمستقبل ، فإن لم تبدأ مرحلة كشفها ثم فكفكتها وإخراجها من مسرح العمليات والحد من نشاطها ، فستتجدد ، وقد ظهرت ملامح الاستنساخ لمهامها في أجيال شابة قادمة تغذت بمفاهيمها وادبياتها
لن يبقى وزير أو محافظ او مدير عام أو مدير إدارة في منصبه إن لم يقدم طقوس الولاء والطاعة ومظاهر الانكسار أمام معبد النافذين في السلطة ليتمكن من استمرار العمل
فقبول الاستقالات والانحناء أمام العاصفة هو اذعان لسيطرة النفوذ واعلان الاستسلام لبرامج التغيير