آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-01:48ص

عيد العمال في اليمن.. وجع لا يهدأ وحكاية صمود يومي

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 02:59 م
موسى المليكي

في الأول من مايو من كل عام، يحتفل العالم بعيد العمال تكريماً للجهد الإنساني وتأكيداً للحقوق الأساسية؛ من أجر عادل، وظروف عمل كريمة، وحياة تليق ببناة المجتمعات. لكن في اليمن، تمر هذه المناسبة مثقلة بالأسئلة: عن أي عيد نتحدث وعاملنا غارق في معاناة لا تنتهي؟


بطء تآكل الأحلام


تتجلى التحديات الأبرز في انعدام فرص العمل، حيث تدفع البطالة المتصاعدة كثيراً من الشباب إلى حافة العجز، في سوق محدود لا يستوعب طموحاتهم. أما من يجد عملاً، فغالباً بأجر لا يتناسب مع الجهد المبذول، ولا يواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وبين تضخم الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يصبح تأمين الغذاء اليومي معركة لا تخلو من القلق.


لم يعد الجوع مفهوماً عابراً، بل واقعاً يثقل كاهل أسر بأكملها. عامل يقضي يومه في الشقاء، ثم يعود مساءً عاجزاً عن توفير ما يكفي لأطفاله، فيحمل إحساساً ثقيلاً بالعجز، ويعيش تحت وطأة قلق لا يهدأ. إنها معاناة صامتة تتكرر كل يوم، وتترك أثرها العميق في تفاصيل الحياة.


راتب لا يسد رمقاً


ولم تقف الأزمة عند العمال وحدهم، بل امتدت إلى الموظفين. فتحول الراتب، في ظل الانهيار الاقتصادي، إلى دخل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية، مما اضطر كثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية بعد ساعات الدوام. وهكذا، لم يعد ثمة فارق واضح بين موظف وعامل؛ فالجميع يخوض معركة واحدة عنوانها تأمين الحد الأدنى من العيش.


الغربة.. خيار لا ثاني له


في المقابل، اختار كثير من الشباب طريق الغربة، لا سعياً وراء الرفاهية، بل هروباً من واقع ضاغط. يغادرون أوطانهم، ويتركون خلفهم الأهل والذكريات، ويتجهون إلى بيئات عمل قاسية، يتحملون فيها التعب والغربة وأحياناً المعاملة الصعبة، فقط ليضمنوا استمرار الحياة لأسرهم. وبين ساعات العمل الطويلة ووحدة المساء، تبقى المسافة أكبر من أن تُختصر في مكالمة هاتفية.


حكايات لا تُروى


في ظل هذا الواقع، تتحدث القصص بصوت أبلغ من أي وصف. يختصر الشاب نبيل أحمد الواقع بكلمات موجعة: "لم أعد أفكر إلا في الهجرة. لا مستقبل هنا. نعمل ونتعب، وفي النهاية لا نعيش. الغربة صعبة، لكنها قد تكون أهون من هذا الواقع".


أما سامية، عاملة الخياطة في تعز وأم لسبعة أطفال، فتقول: "أظل ساعات طويلة أخيط، تتعب عيناي ويؤلمني ظهري، لكنني لا أستطيع التوقف. أطفالي يحتاجون الطعام ومصاريف المدارس. أعمل طوال اليوم، ومع ذلك لا يكفي ما أجنيه لأبسط الاحتياجات، وليس لي إلا الصبر".


وتضيف فاتن سعيد، بائعة الخضار في أحد أسواق تعز والتي تعيل أسرتها، بصوت مثقل بالإرهاق: "منذ الصباح وأنا في السوق تحت الشمس، لكنني أتحمل. كل يوم أقول: لعله أفضل، لعلي أعود بما يكفي لاحتياجات أسرتي. أعود تعبة، لكنني أخرج كل صباح لأنه لا خيار آخر". وعن عيد العمال، تؤكد فاتن أن عيدها الحقيقي يكون عندما تعود محملة بالطعام لأطفالها.


واقع يطغى على الرمز


في الوقت الذي يحتفل فيه عمال العالم ويجدون في هذا اليوم مساحة للتقدير والراحة، يبقى العامل اليمني منشغلاً بسؤال واحد: كيف يمر هذا اليوم؟ وكيف يؤمن الغد؟


عيد العمال في اليمن لم يعد مناسبة للاحتفال، بل أصبح نافذة تطل على واقع يحتاج إلى مراجعة جادة وإلى حلول تعيد للعامل حقه في حياة كريمة. فالعامل اليمني، رغم كل ما يواجهه، لا يزال يقف ويعمل ويصبر، حاملاً أملاً بسيطاً بأن يتغير هذا المشهد يوماً. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى عيد العمال في اليمن حكاية وجع تروى بقلوب متعبة وصمت طويل.