آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-01:48ص

حين تكون الإعاقة عائقاً مضاعفاً في زمن يُسكت الأقلام

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 01:43 م
موسى المليكي

في الثالث من مايو، يحتفل العالم بـ"اليوم العالمي لحرية الصحافة". مناسبة تليق بتقديم التحية لكل صحفي نزيه، وكل قلم حر، وكل صوت شريف يواصل النضال رغم الرصاص والحصار والإهمال.


لكن في اليمن، تتحول هذه المناسبة إلى بكاء على جرح لا يندمل.


فالصحافة اليمنية اليوم تعيش أسوأ لحظاتها: صحف توقفت، ومئات الزملاء خارج العمل، وحريات مصادرة، وحقوق منتهكة، وأقلام تُخطف ويُسجن أصحابها، بل وتُغتال في بعض الأحيان.


لكن هناك شريحة تعاني ضعف ما يعانيه غيرها، لكن لا أحد يتحدث عنها. شريحة الصامتين الذين لا يراهم أحد.. الصحفيون والإعلاميون من ذوي الإعاقة.



أين أنتم أيها المسؤولون؟ أين هم من شاشاتكم؟


في الوقت الذي يشكل فيه ذوو الإعاقة حوالي 15% من سكان اليمن، وهو ما يقارب 5 ملايين إنسان، لا تجد على شاشاتكم الفضائية ولا الأرضية برنامجاً واحداً يهتم بقضاياهم، ولا مذيعاً واحداً من بينهم يقدم نشرة أخبار، ولا حتى فقرة قصيرة بلغة الإشارة لمن لا يسمعون!


كل ما نراه هو حملات تلميع موسمية في مناسبات محددة. يأتون بأحدهم، يصورونه بدقائق، ثم يعود إلى قوقعته التي لا يراها أحد.


الإعلامي الكفيف جمال عبدالناصر يقولها بمرارة كما نقل عنه تقرير للمركز الإعلامي للأشخاص ذوي الإعاقة:


"لا يوجد برنامج تلفزيوني واحد ولا حتى عمود صحفي متخصص بذوي الإعاقة"


وهو ليس وحده من يشعر بذلك. زميله الإعلامي محمد الشيباني، الذي يعاني هو الآخر من إعاقة بصرية، يصف التعامل مع ذوي الإعاقة في الإعلام بأنه مجرد "تلميع"، حيث تظهر المؤسسات مواهبهم في مناسبات محدودة، متناسية الحقوق المنصوص عليها في القوانين.


أما الإعلامي علاء الهمداني، مذيع من ذوي الإعاقة البصرية في الإذاعات المحلية، فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويصف واقع الإعلام اليمني بأنه "دكاكين وفوضى إعلامية" لم تعد تهتم بقضايا ذوي الإعاقة، ولا تتيح لهم الفرصة في المشاركة.


فلماذا هذا التجاهل المقصود؟ هل لأنهم لا يصلحون؟ أم لأن المسؤولين لا يريدون أن يروا؟ أم لأن الإعاقة في عيون بعضهم عيب يجب إخفاؤه لا قضية يجب تناولها؟


معاناة مضاعفة: عندما تصبح الإعاقة حاجزاً أمام الإعلامي نفسه


تخيل أن تكون صحفياً كفيفاً، وتريد تقديم برنامج في التلفزيون. تحتاج إلى قراءة السيناريو والإعداد المسبق، ولكن كيف تفعل ذلك والمادة غير متوفرة بطريقة "برايل"؟ هذا ما حدث مع الزميل محمد الشيباني، الذي اضطر إلى تغيير مساره المهني بالكامل والاتجاه إلى البرامج الحوارية لأنه ببساطة لا يستطيع تحويل النصوص إلى طريقة برايل بسهولة.


وتخيل أن تكون من ذوي الإعاقة السمعية، وتريد متابعة نشرة الأخبار اليمنية. تنتظر طويلاً، ولكن لا يوجد مترجم لغة إشارة. تضطر لقراءة الشفاه، أو الاعتماد على شخص آخر يترجم لك. وهذه ليست رفاهية، بل حق كفلته الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صدقت عليها اليمن!


يقول الإعلامي من ذوي الإعاقة الحركية:


"في أثناء الفقرات الإعلانية للبرامج أو النشرات الإخبارية، يأتي المذيع على قراءة الإعلان إلى أن يصل إلى مواعيد البث والإعادة، ليقول 'يأتيكم في الأوقات التالية' في صمت تام. هذا يجعل المسألة مأساوية لمن هم من ذوي الإعاقة البصرية".


لماذا لا يتم الإشارة صوتياً للصور والمشاهد في القنوات التلفزيونية؟ لماذا الاكتفاء بكتابة الأوقات والعناوين عند الإعلان دون قراءتها صوتياً؟ أسئلة لا إجابات عنها، لأن السؤال نفسه لا يصل إلى من يملك القرار.


من المسؤول عن هذا الإقصاء؟


هل هي المعدات؟ هل هي السياسات؟ أم أنها النوايا؟


يكشف دارس البعداني، مدير المركز الإعلامي للأشخاص ذوي الإعاقة، حقيقة أعمق وأكثر إيلاماً:


"المؤسسات الإعلامية لا تؤمن بقدرات ذوي الإعاقة، وفي الوقت نفسه تتخوف منهم، ومن كيفية التعامل معهم. لمجرد إعاقة الشخص يرفضون إتاحة الفرصة له وإعطائه مكاناً في مؤسساتهم".


نعم، ليست الإعاقة هي المشكلة. المشكلة هي النظرة المجتمعية والقصور المؤسسي والخوف من المجهول. إعلامنا يخاف من ذوي الإعاقة، فيقصيهم بدلاً من أن يحتويهم.


أما الباحث الاجتماعي عبدالعزيز القدمي، فيضيف سبباً آخر:


عدم إدراك القائمين على وسائل الإعلام لأهمية تناول قضايا المعاقين، إضافة إلى التغير المستمر في أولويات الوسائل الإعلامية والتي ليس من بينها قضايا ذوي الإعاقة".


وبينما تغطي قنواتنا كل شيء: من السياسة والاقتصاد إلى الرياضة والزراعة والمرأة والطفل، تظل قضية الـ15% من المجتمع بعيدة عن الأضواء، كأنها لا تهم أحداً، أو كأن ذوي الإعاقة ليسوا جزءاً من هذا الوطن.


استثناءات مشرقة: حين يضيء الأمل في زمن اليأس


لكن في وسط هذا الظلام الدامس، هناك نماذج مشرقة تستحق أن تروى، ليس كحالات استثنائية، بل كنماذج لِمَا يجب أن يكون عليه الحال.


الشاب الإعلامي دارس البعداني نفسه، الذي رغم إعاقته البصرية، أكمل دراسته الجامعية في كلية الإعلام بتقدير جيد جداً، وعمل في إذاعة "يمن تايمز"، وأسس المركز الإعلامي للأشخاص ذوي الإعاقة، وأنتج أول مسلسل إذاعي متخصص بقضايا ذوي الإعاقة في اليمن بعنوان "بديع وأمل"، بمشاركة 15 شاباً وشابة، 70% منهم من ذوي الإعاقة!


هذا يعني أن الحلول موجودة، والطاقات متوفرة، والإرادة قادرة. ولكن مَن يمد يد العون؟ مَن يفتح الأبواب؟ مَن يزيل الحواجزماذا نريد؟ ليس كثيراً، فقط الإنصاف في هذا اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نطالب بالقمر. نطالب بحقوق بسيطة يكفلها القانون والدين والإنسانية.


نطالب بأن:


تُلزِم وزارة الإعلام وسائل الإعلام بتخصيص مساحات برامجية أسبوعية لقضايا ذوي الإعاقة.

يُعتمد مترجم لغة إشارة في النشرات الإخبارية والبرامج المهمة.

تُتاح الفرص الوظيفية للصحفيين والإعلاميين من ذوي الإعاقة على أساس الكفاءة، لا على أساس الإعاقة.

تُجهز المؤسسات الإعلامية لتناسب احتياجات الموظفين من ذوي الإعاقة.

تُقرأ كتابياً كل المعلومات المعروضة على الشاشة لمن هم من ذوي الإعاقة البصرية.

هذه ليست منة. هذه حقوق.

حقوق كفلتها القوانين اليمنية والاتفاقيات الدولية، لكنها حبر على ورق في بلد يكتب القوانين ولا ينفذها، يوقع الاتفاقيات ويخالفها.

الحرية للجميع أم لا حرية لأحد؟

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، نقولها بكل وضوح وجرأة:

لا حرية للصحافة في بلد يُقصى فيه 15% من الصحفيين والإعلاميين بسبب الإعاقة.

لا حرية للتعبير في وطن يُسكت فيه الأقلام الشريفة قبل أن تبدأ بالكتابة.

لا ديمقراطية في مجتمع يتجاهل فئة بأكملها بحجة أنها مختلفة.

الصحفيون من ذوي الإعاقة في اليمن ليسوا بحاجة إلى شفقتكم، ولا إلى مناسبة تظهرونهم فيها كأبطال خارقين ثم تتركونهم.

هم بحاجة إلى فرصة حقيقية، إلى بيئة عمل عادلة، إلى كرامة إنسان قبل أن يكون صحفياً.

تحية لكل صحفي كفيف لا يرى ضوء الكاميرا لكنه يرى الحقائق التي لا يراها غيره.

تحية لكل صحفية من ذوي الإعاقة الحركية تناضل من أجل كلمة حرة بجسد متعب وإرادة لا تلين.

تحية لكل صحفي أصم يقرأ الشفاه ليقرأ الأخبار، ويحلم بأن يراى مترجماً للإشارة إلى جانبه.

أنتم أبطال هذه المهنة، وضيوفها الغائبون الحاضرون في كل مكان إلا على الشاشات.

أيها المسؤولون: استيقظوا. فالصحافة لا تكتمل بدونكم، والحرية لا تتحقق بدونهم، وهذه المناسبة لا معنى لها إن لم تنصفوا أهلها الحقيقيين.

الحرية كل الحرية للصحافة.. وللصحفيين من ذوي الإعاقة على وجه الخصوص.