آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-12:04ص

سياسة إنتقائية النقل والإقتباس ..!!

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 05:38 م
إبراهيم ناصر الجرفي

إن الباحث والمهتم بالفكر السياسي الإسلامي ' سوف يلاحظ على الفور أنظمة الحكم الاسلامي المتعاقبة من بعد الخلافة الراشدة وحتى اليوم ' وهي تقوم بالنقل والاقتباس الحضاري من الأمم والحضارات الأخرى ' قد انتهجت سياسة الإنتقائية في ذلك النقل والاقتباس ' حيث سمحت بنقل واقتباس الكثير من الأفكار والنظريات المتعلقة بالجوانب الاستهلاكية والفلسفية والطبية والعلمية ' ومنعت نقل واقتباس الافكار والنظريات المتعلقة بالفكر السياسي ، وخصوصا تلك الأفكار والنظريات السياسية التي ظهرث خلال إزدهار الحضارة اليونانية ( كالحرية والنظام والقانون والمشاركة الشعبية في الحكم ... الخ ) ، وذلك رغم الانفتاح الثقافي الكبير الذي رافق توسع الدولة الاسلامية خصوصاً خلال فترة حكم الدولة العباسية ' حيث قام الخليفة المأمون بتشجيع العلماء والمفكرين في نقل وإقتباس وترجمة الكثير من الكتب والمؤلفات الموجودة لدى الحضارات الأخرى' ومنها مؤلفات وكتب الفلاسفة الإغريق القدماء كسقراطـ وأفلاطون وأرسطو وغيرهم في شتى مجالات المعرفة الإنسانية والعلمية والطبية ' ولكن عند مراجعة وقراءة مؤلفات المفكرين العرب في المجال السياسي خلال تلك الفترة التاريخية ' سوف تلاحظ غياب كل ما له علاقة بالأفكار والنظريان السياسية الإغريقية القديمة ..!!


وهو ما يؤكد حالة الإنتقائية في النقل والاقتباس والترجمة ' التي كانت تنتهجها أنظمة الحكم في العالم الإسلامي خلال تاريخها الطويل ' والتي لا تزال تسير عليها حتى اليوم ' فرغم النهضة العلمية والفكرية الكبيرة والمذهلة التي شهدتها الحضارة الغربية في شتى مجالات الحياة ' ومنها المجال السياسي الذي شهد ظهور العديد من النظريات السياسية التي ساهمت بشكل كبير في تطور الفكر السياسي الغربي ' وكان لها الدور الكبير في النهضة العلمية والحضارية التي شهدتها المجتمعات الغربية ' وفي مقدمتها النظرية الديمقراطية التي جعلت الشعوب الغربية تحكم نفسها بنفسها ' والتي أرست قواعد التداول السلمي للسلطة ، وأبعدتها عن شبح الخلافات والحروب والصراعات الداخلية ..!!


إلا أن العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي والاسلامي قد أعلنت الحرب على النظرية الديمقراطية الحديثة ' حيث شجعت مفكريها وفقهاءها على انتقادها وتشويه صورتها ، وذلك رغم أن هذه الأنظمة قد فتحت ذراعيها لنقل واقتباس كل مخرجات الحضارة الغربية في المجالات الأخرى ' بل لقد ذهبت تلك الأنظمة إلى التقليد الحرفي للكثير من البروتوكولات الحياتية الغربية وخصوصا الاستهلاكية منها كالمأكل والمشرب والملبس ، ليصبح كل ذلك النقل والتقليد والاقتباس من الحضارة الغربية فيما يتعلق بالمجالات الحياتية غير السياسية مرحب به سواءاً على مستوى السلطة أو المجتمع ' ولكن النقل والتقليد والاقتباس فيما يتعلق بالمجال السياسي هو الأمر المرفوض وغير المرحب به ' فترى الكثير من مظاهر الثقافة الغرببة وهي تنتشر بشكل كبير في المدن العربية والاسلامية ، كما تشاهد فيها الاستهلاك الكبير للمنتجات التجارية والصناعية الغربية التي تملأ الاسواق ، لكن لن تشاهد أي مظاهر أو فعاليات لها علاقة بالفكر السياسي الغربي ، فكل ما له علاقة بالسياسة ونظام الحكم بالنسبة لأغلب أنظمة الحكم العربية والاسلامية خط أحمر قديما وحديثا ، كل ذلك يؤكد استمرارية هذه الانظمة في سياسة الانتقائية في النقل والاقتباس الحضاري بما يتوافق مع توجهاتها الفكرية والسياسية ..!!


لذلك كان ولا يزال الفكر السياسي العربي والاسلامي يعيش حالة من الركود والجمود ' وذلك لأنه لم ينل حقه من البحث والدراسة اللازمة لتطويره وتحديثه لمواكبة تحديات وتطورات ومستجدات العصر ' والتي تتطلب مساحات واسعة من حرية الفكر والرأي والبحث ' والتي تكاد تكون غير متوفرة لدى أنظمة الحكم الاسلامية ، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل إن هذه الأنظمة وخلال تارخها الطويل ، قد فتحت الباب واسعا للاجتهاد والبحث في كل التشريعات والاحكام الدينية التي جاء بها الإسلام ، فترى كتب الفقه وهي تفرد كتبا وابحاثا كاملة حول الطهارة كمثال ، لكن لا ترى إلا عدد من السطور التي كتبت على استحياء فيما يتعلق بالشورى الاسلامية ، والتي تعتبر من أهم الأسس التي يرتكز عليها نظام الحكم الاسلامي ، والتي تمنح الشعوب الحق في المشاركة في اختيار الحكام بصورة أو بأخرى ، قال تعالى (( وأمرهم شورى بينهم )) ، خلاصة القول تنتهج أنظمة الحكم العربية والاسلامية سياسة الممانعة والرفض للنظريات والأفكار السياسية ، وهذه السياسة هي السبب الرئيسي لتفشي ظاهرة الصراعات والحروب والفتن والانقلابات في المجتمعات العربية والاسلامية ، كما أن هكذا سياسات قد ساهمت في جمود وركود الفكر السياسي العربي والاسلامي ، نتيجة القيود والمحاذير الكثيرة المفروضة على البحوث والدراسات في المجال السياسي ..!!