بقلم: عبدالرب السلامي
8 مايو 2026م
ظهر مصطلح "الجنوب العربي" لأول مرة عام 1951م، وكان مصطلحا وحدويا، في مقابل المشروع الاستعماري البريطاني الذي كان هدفه سلب صفة العروبة عن مستعمرة (عدن) وضمها للتاج، وتكريس تجزئة محمياتها.
ففي عام 1945م، عينت بريطانيا لعدن حاكما تابعا للتاج البريطاني، ومنحت سكان (عدن) غير العرب جواز سفر عدني، واعتبرت المواطن العدني بريطانيا لا عربيا، وأصبح ابناء المحميات لا يدخلونها إلا بتصريح (تأشيرة). ومن هنا جاء مشروع "الجنوبي العربي" كرد فعل قومي وحدوي تجاه هذه السياسة الاستعمارية.
الآباء المؤسسون:
أول من أطلق مصطلح "الجنوب العربي" هم شخصيات وطنية يمنية كانوا أعضاء في تنظيم "الكتيبة اليمنية" التي أسسها في الأزهر بالقاهرة المناضلان الكبيران: القاضي محمد محمود الزبيري والسيد محمد علي الجفري، رحمهما الله.
فبعد عودتهما إلى اليمن، أسس الزبيري "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن اامنكر، ثم حركة الأحرار" في الشمال بهدف إصلاح نظام الإمامة، وأسس الجفري "رابطة الجنوب العربي" لمواجهة مشروع الانفصال العدني البريطاني.
حدود الجنوب العربي:
الجنوب العربي، في تعريف الذين ابتكروه أول مرة، هو مرادف لليمن الكبير (اليمن الطبيعية)؛ أي الجغرافيا اليمنية شمالا وجنوبا.
يقول مؤسس الرابطة السيد محمد علي الجفري: "يطلق -الجنوب العربي- على اليمن الطبيعية لكافة أجزائها ونواحيها" [محاضرة في اتحاد طلبة الكويت بالقاهرة، 28 ديسمبر 1956م].
ويقول الأمين العام للرابطة الأستاذ محسن بن فريد، رحمه الله: "اختارت الرابطة اسم الجنوب العربي الكبير (اليمن الطبيعية) ليشمل الجنوب والشمال، وكانت أول هيئة تطلق على المنطقة سياسيا اسم (اليمن الطبيعية)" [محسن بن فريد، محطات في مسيرة حزب الرابطة، ص17].
الجنوب العربي المزيف:
نقيضا لهذا المفهوم الوطني القومي الوحدوي، عمدت الدوائر الاستعمارية البريطانية إلى استنساخ نسخة مزيفة باسم (اتحاد الجنوب العربي) هدفها تكريس التجزئة واجهاض مشاريع الوحدة الوطنية والقومية، وحصر مشروع "الجنوب العربي" في حدود جغرافيا ما كان يعرف بـ"إمارات المحمية الغربية" التي تشمل اليوم محافظات: (لحج وأبين واجزاء من شبوة) فقط، دون عدن وحضرموت والمهرة.
ففي عام 1959م، جمع حاكم مستعمرة عدن "هيكنبوثام" أمراء المحمية الغربية، وضغط عليهم لقبول مشروعه الجديد (اتحاد الجنوب العربي)، ومنذ ذلك التاريخ أصبح المصطلح مقترنا -في الذهنية الوطنية- بمشاريع التجزئة والاستعمار والتآمر، ولهذا أطلق عليه الزعيم جمال عبدالناصر وصف: "الجنوب العربي المزيف".
مقاومة المشروع:
أدى إعلان "اتحاد الجنوب العربي" إلى اندلاع حركات معارضة ومقاومة قادتها الحركات العمالية والأحزاب الوطنية داخل مستعمرة عدن، وأمراء أحرار في المحميات مثل: العفيفي اليافعي والعبدلي والفضلي وغيرهم، وتبنتها الحركة الوطنية على مستوى اليمن، التي تمخضت بقيام ثورة سبتمبر واكتوبر.
للأسف، نرى بعض المغامرين سياسيا اليوم، يتجاهلون أو يجهلون هذا التاريخ، ويتنكرون لتاريخ الآباء المؤسسين للحركة الوطنية، ويعيدون تسويق ذلك المصطلح (المزيف)، إما بوعي أو بغير وعي، في وقت باتت فيه أهداف القوى الإقليمية والدولية الداعمة لهم واضحة ومعلنة: إعادة إنتاج مشاريع الاستعمار القديمة بثوب جديد، بل بنفس الثوب القديم البشع!.