ليست قوة مقال نجيب الكمالي في أنه يقارن بين فلسطين واليمن فقط، بل في أنه ينجح في التقاط شيء أعمق وأكثر خطورة: كيف تتحول الأزمات الطويلة في العالم العربي من حالة طارئة إلى طريقة حياة، ومن استثناء مؤقت إلى نظام حكم غير معلن.
الكمالي لا يكتب بعين صحفي يراقب الأحداث من بعيد، بل بعين إنسان عربي يشعر أن الخراب لم يعد محليًا، وأن ما يحدث في غزة أو صنعاء أو الضفة الغربية ليس سوى تجليات مختلفة لأزمة عربية واحدة: غياب الدولة القادرة على حماية الإنسان وصناعة المستقبل.
المقال يبدأ من فكرة تبدو بسيطة، لكنها شديدة القسوة:
حين يطول الانتظار، لا يتعب الناس فقط… بل يتعب معنى الوطن نفسه.
وهنا تكمن القيمة الفكرية للنص. فهو لا يناقش الحرب بوصفها دمارًا عسكريًا فقط، بل باعتبارها عملية استنزاف بطيئة للوعي الجمعي. فالحروب الطويلة لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل داخل الإنسان إحساسه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ولهذا يلفت الكمالي الانتباه إلى نقطة في غاية الخطورة، حين يتحدث عن انتقال المجتمعات من التفكير بالمستقبل إلى الاكتفاء بإدارة البقاء اليومي.
في هذه المرحلة، يصبح الحصول على الكهرباء إنجازًا، والراتب حدثًا سعيدًا، وغياب القصف نوعًا من الاستقرار. هنا تبدأ الشعوب بالتأقلم مع الحد الأدنى من الحياة، وكأن الكارثة أصبحت السقف الطبيعي للوجود.
هذه ليست مجرد أزمة سياسية، بل تحوّل نفسي عميق يصيب المجتمعات التي تعيش طويلًا تحت الضغط.
الأذكى في مقال الكمالي أنه لا يسقط في فخ الخطاب العاطفي التقليدي، بل يذهب نحو تشريح بنية الأزمة نفسها.
فهو يتحدث عن “عقل إدارة الأزمة”، وهي فكرة مركزية لفهم كثير من الأنظمة والصراعات في المنطقة. لم تعد السياسة في بعض الدول مشروعًا لبناء المستقبل، بل عملية يومية لمنع الانهيار الكامل فقط.
وهنا يتحول كل شيء إلى إدارة مؤقتة:
إدارة اقتصاد منهك،
إدارة انقسام،
إدارة حرب،
إدارة جوع،
بل وحتى إدارة موت.
كأن المنطقة دخلت مرحلة لا تُحل فيها الأزمات، بل يُتحكم بسرعة انفجارها فقط.
وفي تقديري، فإن أكثر الأفكار عمقًا في المقال هي تلك المتعلقة بـ”تطبيع الاستثناء”.
حين يعتاد الناس غياب الدولة، وتأجيل الانتخابات، وانقطاع الخدمات، وتآكل القانون، فإن الخطر لا يصبح في الأزمة نفسها، بل في اعتيادها. لأن المجتمعات حين تتكيف مع الخلل المزمن، تفقد تدريجيًا قدرتها على تخيل البديل.
وهنا يطرح الكمالي سؤالًا ذكيًا جدًا بشكل غير مباشر:
هل أخطر ما تفعله الحروب هو الدمار… أم جعل الشعوب تتعايش مع الدمار وكأنه قدر دائم؟
وفي حديثه عن فلسطين واليمن، لا يحاول الكاتب إجراء مقارنة سياسية سطحية، بل يكشف تشابه البنية النفسية والاجتماعية للأزمات الطويلة.
في الحالتين، هناك مواطن يشعر أن عمره يُستهلك في الانتظار: انتظار الحل، وانتظار الدولة، وانتظار الحياة الطبيعية.
لكن النص يصبح أكثر أهمية حين ينتقل من التشخيص إلى الإشارة نحو المعنى الأعمق للمقاومة.
فالكمالي يرى أن مجرد طرح الأسئلة اليوم أصبح فعلًا سياسيًا بحد ذاته.
أن يسأل المواطن: أين الدولة؟ من يحكم؟ لماذا غابت المحاسبة؟
فهذه الأسئلة تعني أن الوعي لم يُهزم بالكامل بعد.
وهذه نقطة شديدة الذكاء، لأن الأنظمة المأزومة لا تخشى الصراخ بقدر ما تخشى الوعي. تخشى المواطن الذي يفكر، لا المواطن الذي يغضب فقط.
المقال أيضًا يوجه نقدًا مبطنًا للنظام الدولي، الذي يتقن لغة التعاطف أكثر مما يتقن صناعة الحلول. عالم يراقب الانهيارات العربية بوصفها أرقامًا في نشرات الأخبار، بينما تتحول حياة ملايين البشر إلى “ملفات إنسانية” قابلة للتفاوض والتأجيل.
وربما لهذا بدا النص مؤلمًا وصادقًا في آن واحد، لأنه لا يبحث عن بطولة لغوية، بل عن تفسير لهذا التعب العربي المزمن.
نقول، لا يكتب نجيب الكمالي عن فلسطين واليمن فقط، بل عن سؤال عربي أكبر بكثير:
كيف يمكن للشعوب أن تحافظ على وعيها وهي تعيش سنوات طويلة داخل الطوارئ؟
وربما لهذا جاءت خاتمة مقاله ثقيلة وموجعة، لأن الصبر حين يتعب، لا تبدأ فقط مراجعة السياسات… بل تبدأ مراجعة معنى الوطن نفسه.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.